الرئيسية - تحليلات - السعودية وتداعيات المغامرة على اليمن

السعودية وتداعيات المغامرة على اليمن

أدركت أميركا في ذروة مفاوضاتها النووية مع إيران في شأن برنامجها النووي، أنّ السعودية كانت تحاول عرقلة توقيع الاتفاق، لذلك سعت إلى توريطها في حرب ضدّ اليمن، لكي تكون مقبرتها وسبب وعدم استقرارها.
عملت السعودية في حربها على «فقراء اليمن»، بالمأثور الشعبي «جاجة حفرت على راسها عفرت»، فسواء توقفت الحرب الآن أو طال أمدها، وفق السيناريوات المتوقعة لها، والمتوقفة على سلوك القيادة السعودية، فإنّ اليمن ما قبل «عاصفة الحزم» السعودية، ليس كما بعده، فالنظام الذي سينشأ في اليمن سيكون أكثر تشدّداً وعداءاً للنظام السعودي الذي قتل المئات من الأبرياء اليمنيين، بطائرات سعودية لم تعرف طريقها يوماً إلى فلسطين.
حاولت السعودية أن توظف حلفاً عربياً ـ إسلامياً في حربها على اليمن، تحت غطاء وستار قضيتين أساسيتين: الأولى دعم «شرعية» رئيس هارب وفاسد، في وقت وظفت فيه أموالها واحتياطاً بشرياً إرهابياً كبيراً استقدمته من أجل الاعتداء على سورية. أما القضية الثانية فهي تشكيل قوة عربية مشتركة، من أجل تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، تلك المعاهدة التي انتظر الشعب الفلسطيني تفعيلها منذ سبعة وستين عاماً.
راهنت السعودية على أنّ تلك الحرب قد تساعدها على خلط الأوراق وتعطيل توقيع الاتفاق بين واشنطن وطهران، وكذلك تفكك الحوثيين، وبالتالي الإتيان بنظام كرتوني جديد في اليمن يدار من قبل السعودية، ينفذ سياساتها ويخدم مصالحها، لكن اتضح لها أنّ حساباتها لم تكن دقيقة، بل كانت تعبيراً عن نزق واحتقان وردة فعل متسرعة، للتعويض عن الفشل السعودي في الملفات العراقية والسورية واللبنانية والبحرانية، ما ينذر بانكفاء السعودية وتراجع دورها ونفوذها عربياً وإقليمياً.
إنّ المصوغات والحجج الأخرى التي طرحتها وساقتها السعودية لتبرير اعتدائها على اليمن، مثل منع سيطرة الشيعة على اليمن وباب المندب، ووقف التمدّد الإيراني إلى منطقة الخليج، لم تحقق لها نتائج إيجابية ولم تكن مقنعة، وقد رأينا كيف أعلنت كلّ من باكستان وتركيا، اللتان كانت تراهن عليهما السعودية في المشاركة الفاعلة إلى جانبها في تلك الحرب، أنهما تؤيدان إيجاد مخرج وحلّ سياسي للأزمة اليمينة.
في ذروة حربها التي ورطتها فيها أميركا، كانت السعودية تعتقد واهمة أنّ واشنطن ستقف إلى جانبها بكل حزم، لكنّ الطامة الكبرى كانت تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما التي أكد فيها «أنّ أميركا ملتزمة بحماية حلفائها من أي اعتداء خارجي، ولكن عليهم إصلاح سياساتهم وأوضاعهم الداخلية أولاً». هذا يعني أنّ محاولات «إسرائيل» والسعودية لنسف الإنجاز النووي الذي تمّ مع إيران هي أوهام وأضغاث أحلام، فمشكلة السعودية هي مع نفسها وليست مع إيران، وأمنها الذي تدعي أنه مهدّد من قبل إيران النووية هو محض كذب، فما يهدّد أمنها هو سياساتها.
ولعلّ السيناريوات المتوقعة للحرب السعودية على اليمن تتأرجح بين عدة خيارات ومنها: أن تمارس أميركا ضغوطاً على السعودية لوقف هذه الحرب العبثية وأن يجري التوافق مع روسيا لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لوقفها، أو الطلب من الدول المشاركة في تلك الحرب والدائرة في الفلك الأميركي مثل باكستان وتركيا والأردن، بالتراجع عن مساهمتها فيها، وقد لمسنا تحولاً في الموقفين التركي والباكستاني لصالح الحلّ وإيجاد مخرج سياسي للأزمة اليمنية، أو استمرار السعودية في هذه الحرب، مع ما يترتب عليها من خسائر بشرية ومالية كبيرة، بالإضافة إلى انعكاسها على الاستقرار الداخلي السعودي، وخصوصاً أننا نعلم جيداً أنّ الغزوات والحروب التي شنت على اليمن من زمن العثمانيين وما بعده، لم تفلح في إخضاع اليمنيين.
أياً كان الخيار السعودي، فإنّ التداعيات والانعكاسات السلبية على السعودية كبيرة، حيث أنّ النظام الذي سينشأ في اليمن سيكون أكثر عداءاً للسعودية، فهي المسؤولة عن قتل وتدمير أطفال ونساء اليمن، ولا يمكن لأي نظام يمني قادم مسامحة السعودية على ذلك. فالوضع الداخلي السعودي سيصبح أكثر اهتزازاً، وقد تنشأ أخطار جدية على العائلة المالكة لجهة نفوذها ودورها وسيطرتها على الوضع الداخلي، ناهيك عن أنّ الكلفة الباهظة لحرب طويلة مالياً وبشرياً، قد تخلق حالة تململ وثورات شعبية ضدّ مملكة الرمال.
هذه الحرب ستفضي إلى تراجع وانكفاء الدور والنفوذ السعوديين، وسيضاف فشلها في اليمن إلى فشلها في الملفات الأخرى العراقية والسورية واللبنانية والبحرانية.
ستكون الحالة السعودية مختلفة عما كانت عليه قبل هذه المغامرة المدمرة، فكلفة التدخلات السعودية في البلدان الأخرى، كانت في السابق معقولة من مال وغيرها، حيث كانت تبعث بالفائض البشري المتشدّد من أنصار التنظيمات التكفيرية والقاعدة والآن «داعش» و«النصرة» إلى «الجهاد» في أفغانستان وسورية والعراق ولبنان وليبيا ومصر للتخلص منه، أما الآن فإنّ التكلفة ستكون باهظة مالياً وبشرياً، وكذلك دوراً ونفوذاً عربياً وإقليمياً.

راسم العبيدات – البناء 
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك