تقارير

الصراع على السلطة في السعودية

المشهد العام لشجرة أسرة آل سعود المتحدّرة من مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز تظهر الحقيقة التالية: من أصل 36 إبناً للملك عبد العزيز لم يبق منهم على قيد الحياة سوى الثلث وهم:

1ـ الأمير بندر (مواليد 1923).

مشعل: رئيس لهيئة الحكم بلا سلطة

2 ـ الأمير مشعل (مواليد 1926).

3 ـ الأمير عبد الرحمن (مواليد 1931).

4 ـ الأمير متعب (مواليد 1931).

5 ـ الأمير طلال (مواليد 1931).

6 ـ الأمير تركي (مواليد 1932).

7ـ الملك سلمان (مواليد 1935).

8 ـ الأمير ممدوح (مواليد 1939).

9 ـ الأمير عبدالإله (مواليد 1939).

10 ـ الأمير أحمد (مواليد 1942).

11 ـ الأمير مشهور (مواليد 1942).

12 ـ الأمير مقرن (مواليد 1945).

من الناحية التاريخية، وباستثناء فترة الملك عبد العزيز (1932 ـ 1954)، كان الصراع على السلطة داخل البيت السعودي سمة غالبة طيلة العهود اللاحقة، وإن لم تظهر بصورة جليّة في عهدي الملك عبد الله والملك سلمان. وباستثناء عهد الملك سلمان بن عبد العزيز (تولى العرش في 23 كانون الثاني/ يناير 2015)، كان الصراع على السلطة يأخذ شكل ثنائيات متعاقبة (سعود ـ فيصل)، (خالد ـ فهد)، (فهد ـ عبد الله)، (عبد الله ـ سلطان/ نايف/ سلمان على التوالي). وبرغم من أن عهد الملك فيصل بدا كما لو أنه خلو من أي منافس، إلا أن النهاية الدموية التي ختم بها عهده باغتياله داخل مكتبه على يد ابن أخيه، الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز، في 25 آذار (مارس) 1975.. كشفت عن جانب خفي من الصراع على السلطة.

جهود الملك عبد العزيز لجهة احتواء الصراعات المستقبلية بين أبنائه وأحفاده بإقرار مبدأ «الأكبر سنّاً» لم تحل دون تفجّر الصراع بين أبنائه بفعل النزوع الغريزي نحو احتكار السلطة وحصرها في الأبناء والمقرّبين.

وقد أخذ شكل الصراع على السلطة طابعاً علنيّاً كما في ستينيات القرن الماضي بين الملك سعود وولي عهده فيصل وأدّى الى نشوء اصطفافات داخل العائلة المالكة شارك فيها رجال الدين الوهابيين وزعماء القبائل النجديّة. حينذاك، قرّر الجناح السديري المؤلف من الأشقاء السبعة بقيادة فهد وهم: سلطان، نايف، سلمان، تركي الثاني، عبد الرحمن، أحمد الانحياز بصورة كاملة الى جانب أخيهم فيصل ومناصرته في صراعه مع أخيهم سعود.

يرى تيم نيبلوك بأنه في الفترة ما بين 1962 ـ 1979، نجح فيصل في خلق دولة جديدة (بالرغم من أن فيصل أصبح ملكاً آواخر 1964 وتوفي في 1975). الا أن نيبلوك يرى بأن السياسة خلال هذه الفترة كانت تتسم بالثبات. وقد أصبحت السعودية دولة مركزية قويّة مع جهاز إداري مقتدر، ومشروعية قائمة على التقديمات الاجتماعية المباشرة، وتنمية اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق(1).

تركت تلك المرحلة آثارها على ما يلي من السنوات، إذ بقيت مراكز القوى داخل العائلة المالكة ثابتة خلال ثلاثة عقود لاحقة. طبعت ثنائية السديرية ـ عبد الله معادلة السلطة داخل المملكة السعودية في الفترة ما بين 1982 ـ 2014 والتي تستغرق عهد الملك فهد (1982 ـ 2005) وعهد الملك عبد الله (2005 ـ 2014).

تجدر الإشارة الى أن عهد الملك فهد يعد أكثر العهود استقراراً في تاريخ المملكة السعودية على مستوى وحدة السلطة وتماسكها، فكان يحتفظ بعلاقات إقليمية ودولية متينة، الى جانب كونه محاطاً بأشقائه السديريين الذي أمسكوا بالوزارات السيادية (الدفاع والداخلية) إضافة الى إمارة الرياض التي كان يرأسها الملك الحالي، سلمان بن عبد العزيز، وإمارة المنطقة الشرقية التي كان يتولاها نجل الملك فهد، الأمير محمد منذ العام 1985. وحتى بعد إصابته بجلطة دماغية في العام 1996 بقي الملك فهد على رأس السلطة حتى وفاته نهاية آب (أغسطس) عام 2005 ولم ينجح منافسه، أي عبد الله، في عزله رغم عجزه التام عن القيام بشؤون الحكم بسبب ممانعة أشقاء فهد وأبنائه لنقل السلطة إلى ولي عهده، وهذا في حد ذاته أحد مؤشرات الصراع على السلطة.

الملك عبد الله: تفتيت السديرية

منذ اعتلائه العرش في 2 آب (أغسطس) 2005، خلفاً لأخيه غير الشقيق فهد، وضع الملك عبد الله قواعد جديدة لانتقال الحكم تفضي نظرياً على الأقل إلى كسر احتكار منافسه الرئيس، أي الجناح السديري للسلطة في المرحلة المقبلة.

العصبة السديرية تستعيد المبادرة

وكان التقليد السائد منذ زمن الملك عبد العزيز يقضي بتعيين «نائب ثان» للملك لضمان انتقال سلس للسلطة. وفي سنة 1941، أصدر عبد العزيز أمراً ملكياً بتعيين نجله سعود ولياً للعهد ومن بعده فيصل. وسرى التقليد في العهود السابقة، فكان خالد نائباً ثانياً للملك سعود. لكن بعد تولي فيصل العرش وإنشاء مجلس الوزراء، بات منصب النائب الثاني ينطبق على ولاية العهد ومجلس الوزراء، منذ توحيد منصبي الملك ورئاسة مجلس الوزراء في عهد الملك فيصل سنة 1964، فكان الملك فهد أول نائب ثانٍ لرئيس مجلس الوزراء، وكان عبد الله نائباً ثانياً في عهد الملك خالد (1975 ـ 1982).

وبقي منصب النائب الثاني في عهد الملك عبد الله (2005 ـ 2015) شاغراً لأربع سنوات. والسبب ببساطة أنه لم يشأ سيطرة الجناح السديري على منصبي ولاية العهد والنيابة الثانية، بما يؤسس لمرحلة مقبلة تكون فيها السلطة السياسية سديرية بالكامل.

كان الإعلان عن تشكيل «هيئة البيعة» في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2006، مخرجاً ذكياً من الملك عبد الله للتنصل من البتّ في مسألة تعيين النائب الثاني، وتفويض اختياره إلى الهيئة بعد موت الملك. وتقوم فكرة الهيئة على بناء تحالف داخل العائلة المالكة ضد الجناح السديري وإشراك الأطراف الأخرى التي كانت مهمّشة لعقود طويلة وأن تخوض صراعات السلطة بالمشاركة في دعم هذا الجناح أو ذاك.

صدر الأمر الملكي في 10 كانون الأول (ديسمبر) 2007 بتكوين هيئة البيعة من أبناء عبد العزيز وأحفاده وعددهم 35 أميراً، برئاسة الأمير مشعل بن عبد العزيز. وأوضح البيان الصادر عن الديوان الملكي الخاص بالأمر الملكي أن نظام هيئة البيعة لا يسري على الملك وولي العهد (حينذاك)، أي عبد الله وسلطان.

وُصِفَ الأمرُ الملكي حينذاك بأنه استجابة لتحديات تطوير نظام الحكم السعودي، وحماية للوحدة الوطنية، وأن نظام هيئة البيعة يأتي ليستكمل الأنظمة الثلاثة: نظام الحكم، نظام مجلس الشورى، نظام مجلس المناطق. والحال، أن الطرفين المتصارعين: الملك عبد الله والجناح السديري كانا على دراية كافية بأن الهدف من تشكيل الهيئة هو تفادي وصول عضو سديري إلى ولاية العهد، وحتى لا تصبح الدولة سديرية في المستقبل.

بقي منصب النائب الثاني شاغراً من بعد تأسيس الهيئة لنحو سنتين. وفي 27 آذار (مارس) 2009، صدر أمر ملكي بتعيين الأمير نايف بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، واحتفاظه بمنصبه كوزير للداخلية. كانت الخطوة هذه كافية لأن تطلق موجة كثيفة من الشكوك حول دور هيئة البيعة، لأن مجرد تعيين نائب ثانٍ للملك يعني ببساطة أن لا دور منتظراً للهيئة بتعيين ولي العهد في حال موت الملك، فقد تثبّت مكان ولي العهد المقبل، وهذا ما حصل لاحقاً. وبحسب بيان أرسله الأمير طلال بن عبد العزيز، عضو الهيئة، لوكالة رويترز في 2009 إنه كان ينبغي استشارة هيئة البيعة، ودعا الديوان الملكي إلى توضيح ماذا يعني بهذا التعيين وإنه لا يعني أن الأمير نايف سيصبح ولي العهد(2).

أظهرت التعيينات اللاحقة أن ثمة تقاسماً للسلطة جرى بين الملك والأمير نايف، في ظل معلومات باتت شبة مؤكّدة لدى الطرفين أن الأمير سلطان، ولي العهد ووزير الدفاع الأسبق، يقضي أيامه الأخيرة بعد أن تمكّن السرطان من جسده.

وفي 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 صدر أمر ملكي آخر بتعيين الأمير نايف وليّاً للعهد خلفاً لشقيقه الأمير سلطان. وبرغم من أن الأمر الملكي يستند بحسب النص الى النظام الأساسي للحكم ونظام هيئة البيعة، إلا أن ردود فعل أعضاء الهيئة تخبر عن خلاف عميق حول قرار تعيين نايف. ولعل ابرزها قرار الأمير طلال تقديم استقالته من الهيئة في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، أي بعد مرور ثلاثة أسابيع على تعيين الأمير نايف ولياً للعهد.

على مستوى تقاسم السلطة بين الملك عبد الله والامير نايف، صدر أمر ملكي في 3 تموز (يوليو) 2011 بتعيين سعود بن نايف مستشاراً لوالده بمرتبة وزير. وصدر أمر ملكي آخر في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 بتعيينه رئيساً لديوان ولي العهد ومستشاراً خاصاً لوالده بمرتبة وزير. وفي المقابل، أُعلن في اليوم نفسه عن سلسلة أوامر ملكية بإسناد رئاسة عدد من المجالس واللجان إلى رئاسة مجلس الوزراء، أي الملك، ونيابة ولي العهد، أي نايف.

الأوامر الملكية كانت تشي بعملية تفتيت للصلاحيات التي كانت منوطة بالجناح السديري والتي كان يتولاها في مرحلة سابقة سلطان ونايف، ثم جرى توزيعها بين الملك وولي العهد السابق نايف ووزير الدفاع سلمان.

وفي 22 تموز (يوليو) 2011، صدر أمر ملكي بتعيين عبد العزيز بن عبدالله، ابن الملك، نائباً لوزير الخارجية بمرتبة وزير، ويعدّ ذلك قراراً جريئاً يمهّد، في حال موت الوزير أو استقالته، لوصول ابن الملك الى وزارة سيادية أخرى الى جانب الحرس الوطني.

جناح عبدالله: تفتيت العصبة السديرية

وفاة الأمير نايف المفاجئة في 16 حزيران (يونيو) 2012، أحدثت اختلالاً كبيراً في ميزان القوى الداخلي، منذ غياب أكبر قطبين فيه أي فهد وسلطان، وباتت المواجهة مقتصرة على شخصين أو ثلاثة، أي عبد الله من جهة وسلمان وشقيقه أحمد من جهة ثانية.

صدر أمر ملكي في اليوم نفسه بتعيين الأمير سلمان بن عبد العزيز ولياً للعهد، والأمير أحمد بن عبد العزيز وزيراً للداخلية. وصدر أمر ملكي آخر بتغيير اسم وزارة الدفاع والطيران والمفتشية العامة ليصبح وزارة الدفاع فقط، وعيّن فهد بن عبدالله رئيساً للهيئة العامة للطيران المدني. ويأتي هذا القرار في سياق تقليص سلطة وزير الدفاع، من الجناح السديري، في قطاع حيوي لطالما جرى التحّكم فيه والاستفادة منه الى حدّ التحكم في حركة الطيران المدني بكل تفاصيلها.

وفي 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، صدر، بصورة مفاجئة، أمر ملكي بإعفاء أحمد بن عبدالعزيز من منصبه (بناءً على طلبه) وتعيين محمد بن نايف بدلاً منه. وقد أثار قرار الإعفاء لغطاً حول أسبابه الحقيقية وخلفيته، إلا أنه أضعف الجناح السديري برغم من أن تعيين محمد بن نايف أشاع جوّاً من الارتياح وسط السديريين وكذلك لدى الدوائر الأميركية التي تنظر الى الأخير بكونه الأقدر على التنسيق معها في مكافحة الارهاب وخطر القاعدة. كان قرار تعيين أحد أبناء الجيل الثاني في منصب سيادي مبرراً كافياً للملك عبد الله كيما يقدم على خطوات مماثلة تمهّد لوصول إبنه الى العرش.

تكرّر سيناريو عبد الله ـ نايف مع الأمير سلمان، وأصبح تقاسم السلطة ممكناً بين المتنافسين الأخيرين في معادلة السديري ـ عبد الله. فقد تمّ تعيين مشعل بن عبد الله أميراً على العاصمة الدينية، مكة المكرمة، وفي 14 كانون الثاني (يناير) 2013، صدر أمران ملكيان، الأول يقضي بإعفاء محمد بن فهد أمير المنطقة الشرقية من منصبه (بناءً على طلبه) وتعيين سعود بن نايف بديلاً منه، وصدر أمر ملكي آخر بإعفاء عبدالعزيز بن ماجد بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة من منصبه (بناءً على طلبه) وتعيين فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز بديلاً منه.

مذّاك، بدأ فصل جديد في تقاسم السلطة بين الملك عبد الله والجناح السديري، وكانت أهم لعبة هي تحويل مؤسسة الحرس الوطني الى وزارة في 27 آيار (مايو) 2013، يكون نجل الملك الأكبر، متعب بن عبد الله على رأسها، لتعزيز فرص وصوله الى العرش في مرحلة لاحقة.

وفي 27 آذار (مارس) 2014 أعلن عن: «مبايعة مقرن ولياً لولي العهد أو ملكاً في حال خلوّ منصبي الملك وولي العهد في وقت واحد». وبحسب الأمر الملكي: «لا يجوز بأي حال من الأحوال تعديله، أو تبديله، بأي صورة كانت من أي شخص كائناً من كان، أو تسبيب، أو تأويل، لما جاء في الوثيقة الموقّعة منا ومن أخينا سموّ ولي العهد ـ أي الأمير سلمان ـ رقم 19155 وتاريخ 19/ 5/ 1435هـ وما جاء في محضر هيئة البيعة رقم 1/هـ ب وتاريخ 26/ 5/ 1435هـ المؤيد لاختيارنا واختيار سموّ وليّ العهد لصاحب السموّ الملكي مقرن بن عبدالعزيز بأغلبية كبيرة تجاوزت ثلاثة أرباع عدد أعضاء هيئة البيعة».

وبخلاف الأعراف المعمول بها في المملكة في تعيين النائب الثاني، استحدث الملك عبد الله منصباً جديداً وهو (وليّ وليّ العهد) مبقياً على منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، ما يشي بخلاف داخل العائلة المالكة حول منصب ولي العهد بعد تولّي سلمان العرش، رغم أن هذا المنصب من اختصاص هيئة البيعة التي أنشأها الملك عبد الله في عام 2005 لتفادي استحقاق منصب النائب الثاني.

ما يلفت في البيان أن (منصب وليّ وليّ العهد) لم يكن مفتوحاً ولم يأخذ مسمى القانون أو المرسوم الملكي الثابت، واقتصر على الحالتين المشار إليهما في البيان. وينطوي الأمر الملكي على دلالتين على درجة كبيرة من الأهمية: الأولى: أن الأمر الملكي يمنع الملك القادم، بعد موت الملك عبد الله، من إجراء أي تغيير، بما يجعل مقرن بن عبد العزيز ولي العهد القادم بصورة ملزمة في حال موت الملك، والثانية، أن صلاحية الأمر الملكي تقتصر على عهد الملك عبدالله فحسب، ولا تمنح الملك القادم سلطة مماثلة، أي أن منصب ولي ولي العهد ينتفي بموت الملك عبد الله. بيد أن النظام الأساسي للحكم الصادر في مارس 1992 يهب الملك سلطة مطلقة في تعيين وإعفاء من يشاء من الأمراء مع مراعاة الأعراف المعمول بها في العائلة بعدم المساس بمنصب وليّ العهد.

في النتائج، إن التغييرات الجوهرية التي قام بها الملك عبد الله على مدى عقد من الزمن، كان يمكن أن تفسح في المجال أمام نجله متعب للاحتفاظ بموقع ثابت في خط الوراثة مع بقاء الأمير مقرن في منصبه ولياً للعهد كضمانة، إلا إن تلك التغييرات بقيت رهينة إرادة الملك وحده، المطلق الصلاحية بحسب النظام الأساسي للحكم.

ما بعد الملك سلمان

التحديات التي فرضت نفسها منذ بداية تولي سلمان العرش سوف ترسم مستقبل المملكة. ويمكن رصد أهم التحديات على النحو التالي:

أـ أزمة القيادة.. من العصبة الى الشخص

المقارنة كأداة فاحصة لفهم التمايز بين الأشياء تصلح لقراءة شخصية ما على ضوء سماتها النفسية والثقافية والقيادية المتمايزة عن شخصية أخرى. وحين المقارنة بين الملك عبد الله وسلفه سلمان، يبدو واضحاً أن الأخير لا يتمتع بمواصفات الشخصية الكاريزمية، ومن سوء طالعه أنه يأتي بعد الملك عبد الله، الذي حظي بشعبية وازنة على مستوى البلد، بصرف النظر عن نوع الانجازات التي تحقّقت في عهده.

على مستوى السمات الشخصية للملك سلمان ثمة ما يدعو للتأمل، في ظل أحاديث عن مواصفات نفسية لافته. وبرغم من صعوبة العثور على ما يكشف عن التكوين النفسي لشخصيات رفيعة المستوى في العائلة المالكة، فكيف بشخصية مثل الملك، إلا أن ثمة مؤشرات يمكن الوقوف عليها والتأمل فيها.

الكاتب والأكاديمي علي سعد الموسى كتب مقالاً إطرائياً في الملك سلمان، وذكر مثالاً على النحو التالي:

طلال: إنهيار الحلم

«كنت مع سلطان بن سلمان في زيارة قصيرة إلى سراة عبيدة وهو يقضي نصف المشوار في محاولة إقناع بنت أخيه اليتيمة أن تذهب إلى الطبيب وهي ترفض أن تذهب دون حضور «العم» معها إلى العيادة. وفي طريق العودة كان «الجد» ـ أي سلمان ـ يتصل بابنه مؤنّباً ومعنّفاً للإبن على إهمال موعد هذه اليتيمة»(3).

وبرغم من أن المقالة مدبّجة بالمديح الفارط، الا أن الأمير سلطان بن سلمان، نجل الملك، شعر بأن الكاتب لامس جانباً مكتوماً، وأراد أن ينفيه عن والده، فكتب ردّاً توضيحياً في الصحيفة نفسها على قاعدة أن «المقال تضمّن بعض الجمل والعبارات التي لا تتوافق مع الحقيقة» ومنها أن والده «اتصل به مؤنّباً ومعنفاً» وعلّق قائلاً «لا أتذكر أن سيدي الوالد الملك سلمان عنّف أحدا من أبنائه وأفراد أسرته..»(4).

العارفون بخبايا القصر، والمقرّبون من بيت الملك سلمان، يتحدّثون عن صرامة الأخير في التعامل مع أبنائه ورجال حاشيته، وأن العادات المعروفة عنه مثل الانضباط في الوقت، والالتزام بساعات الدوام، والزيارات المنتظمة التي يقوم بها لوجهاء القبائل في الرياض ومنطقة نجد عموماً، والابتسامة المريبة التي يطلقها لزوّاره تخفي شخصية عنيفة. أوساط العائلة المالكة تتحدث عن طباع حادّة للملك سلمان غير موجودة لدى بقية إخوته، تتوارى خلف عادات للتمويه على الشخصية الحقيقية مثل توقه للاجتماع بالمثقفين والاعلاميين والابتسامات المصنطعة التي يوزّعها على زوّاره..

وبصورة عامة، فإن ثمة في شخصية الملك سلمان ما يدعو للتأمل: يقول أرسطو «تحدّث حتى أراك». وبرغم من أن المقولة تتجاوز الشكل الا أن طريقة الكلام تعكس جانباً من شخصية الإنسان. في دراسات علم النفس يتمّ تحديد طبيعة شخصية الانسان من خلال طبائعه ومنها طريقة الكلام، فإذا كان الانسان يتحدث بشكل سريع سواء عن قصد أو خلافه فإنّه يمرُّ في الأغلب بحالة عاطفية حادة، وتحمل التوتر الداخلي والإثارة، وإن الشخصيات التي تتحدث بهذه الطريقة يعانون من التوتر في أغلب علاقاتهم مع الآخرين. وفي مثل هذه الحالات يحاول علماء النفس ومن خلال جلسات الكشف النفسي البحث في أسباب الحالة، التي قد تعود لعامل تربوي، أو لتجربة عاطفية حادة..ولذلك فإن الشخص الذي يتحدث بنبرة سريعة ويظهر في صوته الحدّة والتسرّع فهذا دليل على شخصية عصبية ومتسرّعة، شخص مندفع لا يفكر كثيراً في خطواته ويحسبها، هوائي في تصرفاته وفي حكمه على الأمور..

وكما هو ظاهر، فإن الملك سلمان يعاني من إضطراب النطق (Articulation Disorders) ويجمع إلى جانب سرعة الكلام الحذف والاضافة والتحريف والإبدال، بحيث تخرج الكلمات تارة ناقصة أو بزيادة حروف أو محرّفة، وقد اشتهر عنه قوله «الاسترخاء» التي ظهرت في هيئة «استخراء». ويرجع علم نفس إضطراب النطق الى عوامل عضوية ونفسية، لا سيما الجانب التربوي (الحرمان العاطفي، القسوة في التربية في الصغر، ودور الأم باعتبارها المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل النطق). ثمة مؤشرات كثيرة تفيد بأن سلمان يقتفي سيرة شقيقه الأكبر فهد، الذي يعدّه «والده الثاني». ويقول عنه:»لقد تربيت من صغري تحت ظله ورعايته..أعتز وأفتخر أن أكون أخًا للفهد..»(5). وثمة إشارات في سيرة إبنيه فهد وأحمد الى طبيعة العلاقة التي تربط سلمان بفهد وكذلك العلاقة التي تربط سلمان بأبنائه.

فقد توفي فهد بن سلمان بسكتة قلبية في 25 تموز (يوليو) 2001، ووصف أحد المقرّبين منه بأنه «مات قهراً» بسبب خلاف مع إبن عمه أمير المنطقة الشرقية محمد بن فهد. وكان فهد بن سلمان تولى منصب نائب أمير المنطقة الشرقية، وأعفاه الملك فهد من منصبه بعد خلاف مع إبنه الأمير محمد بن فهد، أمير الشرقية حينذاك.

أما إبنه أحمد بن سلمان، وكان يرأس الشركة السعودية للأبحاث التسويق المالكة لعدد من الصحف والمجلات من بينها (جريدة الشرق الأوسط، ومجلة المجلة)، فتوفي في 22 تموز (يوليو) 2002 في المستشفى التخصصي بالرياض بسبب مرض عضال، حسب ما جاء في بيان الديوان الملكي. وكان والده، سلمان، حينذاك يمضي رحلة استجمام في جنيف، وقد صلي على أحمد بن سلمان ودفن في مقبرة العود الخاصة بآل سعود. أول سؤال يتبادر للذهن، كيف لأب وهو يعلم بأن إبنه في مرحلة متقدّمة من المرض وأحوج ما يكون فيه الى عاطفة والده وحنانه وقربه منه، وأن يموت إبنه وهو يقضي أيامه في الاستجمام والمتعة؟

على أية حال، فإن المثالين يلمحان الى ما تتناقله أوساط مقرّبة من بيت الملك سلمان بأنه يتّسم بالقسوة والجفاف العاطفي وحدة الطبع في تربيته لأولاده، وانعكس ذلك على علاقاته مع الآخرين، وإن حاول إخفاء ذلك. وبحسب أوساط وزارية محلّية أن اجتماعاً عقد بعد حادثة جهيمان العتيبي في مكة المكرمة في نوفمبر سنة 1979 بحضور الملك خالد، وولي العهد حينذاك فهد، والأمراء سلطان ونايف وأمير الرياض حينذاك سلمان ووزير الصناعة والكهرباء غازي القصيبي ووزير البترول والثروة المعدنية أحمد زكي يماني وطرح موضوع النقاش في خطة التخلّص من عوائل مجموعة جهيمان. وطرح سلمان وفهد فكرة دفن عوائل جماعة جهيمان المعروفة بإسم (الجماعة السلفية المحتسبة) وهم أحياء، ولكن الملك خالد رفض فكرة المساس بالنساء والأطفال، فيما كان رأي آخر يحذّر من الفضيحة الاعلامية والسياسية، ولكن سلمان وفهد أصرّا على تنفيذ الفكرة وهذا ما تمّ بالفعل، وكان مهندس العملية هو الملك سلمان.

أُسبغت ألقابٌ على الملك سلمان، بعضها يأتي كإسقاط متأخر بعد توليه العرش والبعض الآخر ألصقت به دونما دليل مؤّكد من بينها: أمين سر العائلة ورئيس مجلسها، والمستشار الشخصي لملوك المملكة(6). ومن المعروف أن رئيس مجلس العائلة هو من يصبح ملكاً، باستثناء حالات نادرة يكون فيها رئيس المجلس الأكبر سنّاً. أما كونه مستشاراً شخصياً لملوك المملكة، فمن الصعب إثباته في ظل أحاديث عن أدوار لعبها مستشارون خاصّون في حياة الملوك منذ عهد فيصل وصولاً الى عهد الملك عبد الله.

من الحقائق في سيرة الملك سلمان، كما يخبر عنه الاعلامي السعودي جمال خاشقجي بأنه «ليس محافظاً على المستوى الشخصي ولكنّه يثمّن رأي الجمهور المحافظ في البلاد»(7). وهذا التوصيف صحيح الى حد كبير، لجهة نزوعه نحو تقريب التيار الديني المحافظ من خلفية سياسية وليس دينية، من أجل بناء تكتّل يواجه به خصومه على مستوى العائلة المالكة وعلى مستوى الجمهور العام. وقد بدا ذلك واضحاً منذ الأيام الأولى لتوليه العرش، والوتيرة الصادمة لنوعية القرارات التي أعلن عنها.

فقد كان عهد الملك سلمان (اعتلى العرش في 23 كانون الثاني (يناير) 2015) الأكثر راديكالية وسرعة من أي عهد مضى في حسم الصراع على السلطة. في غضون عشرة أيام أحدث سلمان تغييرات مفاجئة وخاطفة أطاحت ما بناه سلفه الملك عبد الله خلال قرابة عقد من الزمن.

خطة الملك سلمان في حسم الصراع على السلطة لم تقتصر على مجرد إزاحة الأشخاص واستبدالهم بآخرين مقرّبين منه وإنما طاولت بنية السلطة نفسها من خلال إلغاء الكثير من المجالس والهيئات والمناصب وإنشاء لجنتين هما: اللجنة السياسة والامنية برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية، واللجنة والاقتصادية والتنمية برئاسة ولي ولي العهد محمد بن سلمان، وزير الدفاع.

في غضون شهر من توليه السلطة، استطاع الملك سلمان ترسيخ سلطته وتركيزها في عدد قليل جداً من الأفراد، فيما وجد آلاف الأمراء بمن فيهم أبناء أشقاء الملك سلمان (فهد، سلطان، أحمد، تركي الثاني، عبد الرحمن)، خارج معادلة السلطة، الأمر الذي يثير أسئلة حول قدرة الملك سلمان على ضبط ردود الفعل داخل العائلة المالكة إزاء قرارات تبدو صادمة لكثيرين داخل الأسرة.

أحمد: قطبٌ بالإسم فحسب!

تميّز عهد الملك سلمان بخلوه من أبناء الملك/ المؤسس الأقوياء. في العهود السابقة كان أمراء كبار يمسكون بمناصب مهمة، ويتقاسمون الى حد كبير السلطة مع الملك وكان لهم نفوذ بشكل وآخر داخل العائلة المالكة، وكان ذلك يحد من نفوذ واحتكار الملك للسلطة وصنع القرار في كل الاوقات. وحده سلمان، الملك السابع في تاريخ المملكة السعودية، الذي يبدو أنه آخر عناصر الجيل الأول من أبناء عبد العزيز الذين تناوبوا على العرش في المملكة السعودية.

على أفق واسع، فإن التغييرات المفاجئة والشاملة التي قام بها الملك سلمان فتحت أبواب التكهّنات على مصراعيها بخصوص تغييرات مفاجئة وبنيوية. فليس هناك من أمير أو وزير في الدولة السعودية محصّن إزاء الاعفاء. فبعد إرغام الأمير مقرن، الأخ الأصغر غير الشقيق للملك سلمان على تقديم استقالته (بناء على طلبه!) ضمن سلسلة تغييرات وزارية أعلن عنها في 29 نيسان (إبريل) 2015، وهو أول قرار من نوعه في تاريخ المملكة السعودية، كان الاعتقاد بأنه يأتي في سياق خطة نقل السلطة الى الجيل الثاني. والحال، أن المناصب العليا والصلاحيات الواسعة التي حصل عليها محمد بن سلمان، كشف عن منطلقات أخرى غير منظورة في التغييرات، الى جانب ما كشف عنه التجاذب بين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان. في النتائج، أصبحت التكهّنات تتجه الى إمكانية قيام الملك سلمان بإحداث تغييرات أخرى مفاجئة لضمان وصول إبنه محمد الى العرش وحتى لا يكرّر محمد بن نايف سيناريو عزل ولي العهد من منصبه على غرار ما فعله سلمان نفسه. ومن شأن متغيرات مفاجئة كهذه أن تفتح الأبواب على أزمة القيادة في المملكة.

يرجع سيمون هندرسون أزمة القيادة في عهد الملك سلمان الى الأيام الأولى من اعتلائه العرش، حين قام بخطوات راديكالية غير معهودة بتخطي أبناء الملك المؤسس وعشرات الأمراء من أبناء جيله ليمنح إبنه الأصغر مناصب عليا بالغة الحساسية منها (وزير الدفاع، وولي ولي العهد، ورئيس اللجنة الاقتصادية والتنمية، ورئيس الديون الملكي..) إلى جانب عشرات المسؤوليات في جوانب المال والنفط والاقتصاد. وبات الاعتقاد راسخاً بأن «يكون هو الخليفة الحقيقي للعاهل السعودي»(8).

إن تجاوز الملك سلمان لتقليد متوارث في العائلة المالكة، بالتشديد على التراتبية القائمة على الأكبر سنّاً والرجوع الى «مجلس العائلة» لحسم الخلافات أو تحصيل الإجماع يغذّي فرص النزاعات الداخلية بين الأمراء، في ظل استبعاد لعدد كبير من أفراد الجيلين الأول والثاني عن دائرة السلطة وتركيزها في شخصيتين.

إن طبيعة الصراع على السلطة بعد موت الملك عبد الله شهدت تبدّلاً جوهرياً. وبحسب ديفيد اغناطيوس، أن الأمراء السعوديين سوف يفكّرون بعد موت الملك عبد الله كيف يحافظون على بقاء البيت السعودي. توازن القوة في الشرق الأوسط سوف يتشكّل من خلال قراراتهم. ولكن في السعودية، كما في معظم الأماكن، السياسة محلية الطابع(9).

يبدو من الضروري هنا الوقوف عند شائعات إصابة الملك سلمان بمرض الزهايمر. وفق المعطيات المتوافرة هي شائعات في العموم ليست دقيقة، ولكنّه دون ريب يعاني من أمراض تتعلق بكبر سنه، وأنه «بالتأكيد ليس هو سلمان الأمس» بحسب أحد السعوديين الذي التقاه حينذاك، وهو يتطابق مع تقييم مسؤولين أميركيين أيضاً(10). في لقائه بالمثقفين والاعلاميين في 28 أكتوبر 2015، حاول إثبات حضوراً ذهنياً من خلال سرد قائمة أسماء الملوك السابقين دون تلعثم أو خطأ في التسلسل بحسب حقبة كل ملك، ولكنّه تحدث عن أشياء غير واقعية بل مستهجنة خصوصاً قوله: «نحن والحمد لله نتمتع بالأمن والاستقرار فيه، ويأتونا حجاج بيت الله والمعتمرون والزوار آمنين مطمئنين بين مكة والمدينة بأمن واستقرار..». وتثير هذه الجملة تساؤلات مشروعة حول ذاكرة الملك إن كان يتعمّد بالفعل تجاوز الحقائق على الأرض خصوصاً العمليات الارهابية في المنطقتين الشرقية والجنوبية ومآسي الحج غرباً بعد مرور شهر على وقوعها. وقد يكون ما قاله سيمون هندرسون عن الحالة العقلية المضطربة للملك مقبولاً «العاهل السعودي يمر بأيام جيدة وأيام سيئة». ويستند التقييم الاجمالي للحالة الصحية للملك على معطيات منها كونه يسير بمساعدة عصا، ويظهر تدهوراً في قدرته العقلية «وهذه حقيقة تمّ الإعتراف بها حالياً على نطاق واسع – وإن ليس بصورة علنية – من قبل العديد من المسؤولين الغربيين»، حسب سيمون هندرسون(11).

مهما يكن، فإن حرب الشائعات حول الأوضاع الصحية للملك عبد الله أو ولي عهده سلمان أخذت وتيرة متصاعدة بين الجناحين في الشهور الأخيرة من حياة الملك عبد الله. وفي نهاية آذار (مارس) 2014 سرت شائعات عن تنحي الأخير عن العرش وتولّي سلمان مكانه بسبب عجزه عن أداء سلطاته، فصرّح «مصدر مسؤول» من جماعة الملك عبد الله في أول نيسان (إبريل) من العام نفسه بنفي التنحي، ولمّح إلى مصدر الشائعة بردّه على المتذرعين ببند عجز الملك عن أداء سلطاته (بحسب نظام هيئة البيعة): «ولكنه ما زال قادراً على إدارة دفة الحكم بكل كفاءة واقتدار».

وتنص المادة (11) من نظام الهيئة على أنه: «في حالة توافر القناعة لدى الهيئة بعدم قدرة الملك على ممارسة سلطاته لأسباب صحية تقوم الهيئة بتكليف لجنة طبية بإعداد تقرير طبي، فإذا ثبت عدم قدرة الملك على ممارسة سلطاته وأنها حالة مؤقتة، تقوم الهيئة بإعداد محضر إثبات لذلك، وتنتقل سلطات الملك إلى ولي العهد. أما إذا أثبت التقرير الطبي أن عدم قدرة الملك على ممارسة سلطاته تعد حالة دائمة، عندئذ تدعو الهيئة لمبايعة ولي العهد ملكاً على البلاد».

ومن الواضح أن الجناح السديري توسّل هذه المادة لإرغام جناح الملك عبد الله على «التسويّة»، على أساس أن نظام هيئة البيعة هو المرجع الذي يحظى، نظرياً، بإجماع داخل العائلة المالكة وليس أوامر الملك. مع أن تفويض هيئة البيعة يكون ساري المفعول بعد موت الملك وولي عهده معاً. وكان النظام قد صدر في حياة الأمير سلطان، ولي العهد الأسبق، الذي توفي في تشرين الأول (أكتوبر) 2011. وبناءً عليه، فإن موته منح الملك فرصة ممارسة صلاحياته وفق النظام الأساسي للحكم، إذ عيّن خلفاً له في منصب ولي عهد لأكثر من مرة (الأمير نايف في تشرين الأول/أكتوبر 2011)، وبعد موت الأخير في حزيران (يونيو) 2012 أعلن تعيين الأمير سلمان مكانه على الفور. وكلاهما من الجناح السديري، ولم يجد هذا الجناح في قرار تعيين الملك لهما مخالفة لنظام هيئة البيعة، بينما يصرّ السديريون على اعتماد النظام كمرجعية في المناكفة مع جناح الملك.

مهما يكن، فإن إصرار الجناح السديري على أن تكون الفحوصات مقتصرة على القدرات الذهنية للملك لإثبات قدرته أو عدمها على أداء سلطاته فيتقرر بقاؤه أو تنحيته، هو الذي دفع جناح الملك عبد الله للترويج لشائعة إصابة سلمان بمرض الزهايمر لنفي قدرته على مزاولة الحكم.

ب ـ ما بعد الزلزال

في فجر 29 نيسان (إبريل) 2015 أصدر الملك سلمان 25 أمراً ملكياً غيّرت بنية السلطة بصورة شبه كاملة وكانت صادمة للداخل وللعالم العربي وللعالم بصورة عامة. وتمّت التغييرات هذه قبل مرور أكثر من مائة يوم على التعيينات الأولى عقب اعتلاء سلمان العرش في يناير 2015. وصفت تلك الأوامر بأنها بمثابة «زلزال» ووصفها آخرون بـ «إنقلاب ناعم». كانت التوقعات منذ أول دفعة أوامر ملكية أصدرها الملك سلمان بعد ساعات من وفاة أخيه الملك عبد الله، أنه لن يستثني الأمير مقرن من خطة تصفية تركة سلفه(12).

الأوامر الملكية الـ 25 طالت مجالين: الوراثة والسياسة الخارجية. في الأولى أزال أخاه غير الشقيق مقرن واستبدله بمحمد بن نايف المعروف في الغرب بـ (MBN)، كما عيّن إبنه الأصغر محمد بن سلمان (المعروف في الغرب بـ MBS) وزيراً للدفاع وولي ولي العهد. وفي المجال الثاني، أي السياسة الخارجية، أزاح الملك سلمان وزير الخارجية سعود الفيصل واستبدله بعادل الجبير. في الدلالات، يعد تعيين عادل الجبير وزيراً للخارجية الى رغبة الملك سلمان بأن يكون له صوت في واشنطن، في ظل توترات شهدتها العلاقة بين البلدين على خلفية تخلي أوباما عن قرار الحرب في سوريا ومواقف واشنطن خلال مرحلة الربيع العربي، وأخيراً الاتفاق النووي الايراني(13).

وفي النتائج:

1ـ لأول مرة يحصل تغيير بنيوي في خط الوراثة، بما يشي بنهاية حكم أبناء المؤسس وصعود الجيل الجديد من الأحفاد. فقد تم عزل الأمير مقرن، الإبن الأصغر سناً من أبناء عبد العزيز الـ 35ـ وآخر من لديه أمل في استمرار حكم الجيل الأول، فيما أصبح الملك سلمان آخر أبناء المؤسس الذين يحكمون السعودية، اللهم الا في حال نجاح محاولات أمراء من آل سعود في فرض أحد أبناء الجيل الأول (أحمد بن عبد العزيز مثالاً) ملكاً..

2ـ إن السرعة التي تمّت بها صدور قرارات التعيين والاعفاء منذ الساعات الأولى لوفاة الملك عبد الله ثم بعد إسبوع من اعتلاء الملك سلمان العرش وصولاً الى إعفاء الامير مقرن وأمراء آخرين بمن فيهم سعود الفيصل وتعيين المحمدين في منصبي ولي العهد وولي ولي العهد كشفت عن خلاف عميق بين الملك السابق وولي عهده، كما كشفت عن كون القرارات كانت جاهزة وتنتظر لحظة توليه العرش لتطبيقها..

3ـ ولأول مرة أيضاً، فإن الأوامر الملكية وجّهت خط الوراثة ناحية إثنين من أبناء شقيقين في الجناح السديري، أي نايف وسلمان.

4ـ إزاحة سعود الفيصل كوزير للخارجية يشير الى تهميش أبناء الملوك السابقين..وعادل الجبير هو الأول من غير الأمراء منذ تأسيس المملكة من تولى منصب وزير الخارجية باستثناء فترة قصيرة شغل فيها ابراهيم السويل المنصب (من 1961 ـ 1962)، أي في الفترة التي كان فيها الصراع محتدماً بين سعود وفيصل. نشير الى أن الخارجية السعودية تسلّمها أربعة وزراء فقط (الملك فيصل، وابراهيم السويل، وسعود الفيصل، وأخيراً عادل الجبير). وتقاسم الملك فيصل وإبنه سعود أطول فترة في تولي المنصب، فقد كان فيصل ملكاً ووزيراً للخارجية من عام 1962 ـ 1975 ثم تولاه إبنه سعود الفيصل في الفترة من 1975 ـ 2015.

5ـ بن نايف والجبير هما مقرّبان من الولايات المتحدة. وبرغم من تباين الرياض وواشنطن في مقاربة موضوع ايران، فإن المسؤولين الأميركيين تربطهم علاقات مريحة مع بن نايف والجبير. ويقال بأن لدى الأمير محمد بن نايف مقاربة براغماتية لملفات المنطقة قد تساعد في تسهيل التعاون مع امريكا وايران. وقد يلعب الأمير دوراً محورياً في المساعدة لجهة تسوية النزاعات الاقليمية. على أية حال، فإن من الصعب تشكيل تصوّر ثابت عن بن نايف في كل الملفات، فقد عرف عنه تشدّده في الملف البحريني، وكذلك في ملف الناشطين السياسيين والحقوقيين إذ كان له دور سيء الصيت في قمع التيار الاصلاحي..

إن التخفيف من تداعيات القرارات الراديكالية التي اتخذها الملك سلمان ومن قبله الملك عبد الله في موضوع تعيين الأبناء والأقارب في المناصب الحساسة، كان يتم، من بين بدائل أخرى، عبر اعتماد سياسة انفاق سخيّة خصوصاً في مجال التقديمات الاجتماعية، من أجل التعويض عن انعدام آليات ديمقراطية مثل الانتخابات.

من نافلة القول، عرف عن الملك سلمان معارضته للديمقراطية في بلاده، فلا يرى بأنها تسجم مع المملكة «المحافظة»، كما كشفت تسريبات ويكيليكس. وذكرت التسريبات أن سلمان قال في اجتماع مع السفير الأميركي في مارس 2007: «إن الإصلاحات الاجتماعية والثقافية التي يحث عليها الملك عبد الله يجب أن تمضي ببطء خشية أن تثير رداً عكسياً من المحافظين»(14). وقال في مقابلة صحفية مع مجلة (ديرشبيغل)، أجريت في عام 2010: «لا يمكن أن تكون لدينا ديمقراطية في السعودية، وإلا ستؤسس كل قبيلة حزباً، وسنصبح مثل العراق وتنتهي بنا الأمور إلى الفوضى»(15).

نزوع سلمان المحافظ ونفوره من الديمقراطية والانفتاح السياسي يجعلان منه ملكاً غير شعبي وإن حاول إظهار نفسه في هيئة أخرى وديّة. بات في حكم المؤكّد أن موت الملك عبد الله ترك المملكة السعودية ضعيفة داخلياً ومحاطة بالأعداء أكثر من أي وقت مضى. في حقيقة الأمر، كشف أداء سلمان منذ توليه العرش عن رؤية عدمية، فبدلاً من تصويب اتجاه سفينة الدولة قادها الى المزيد من المغامرات. وبعد شهرين من توليه العرش شنّ حرباً على اليمن، وأطلق العنان للتيار الديني المتشدّد لقيادة نزاع طائفي بهدف شدّ العصب في الحاضنة الشعبية للنظام، ولكن هذا النزاع أفاد منه تنظيم داعش أيضاً لجهة تنفيذ عدد من الهجمات الارهابية على مساجد وحسينيات شيعية في المنطقة الشرقية وفي الكويت وفي نجران، جنوب المملكة..

وعلى خلاف طائفية الملك عبد الله ذات الطابع السياسي، فإن طائفية الملك سلمان أخذت طابعاً دينياً وجعلت الأخطار المحدقة في عهد سلمان أشد وذات عواقب وخيمة على وحدة المملكة واستقرارها ومستقبلها. وبحسب كارين إيليوت هاوس، مؤلفة كتاب (السعودية: شعبها، ماضيها، دينها، خطوط الصدع ـ والمستقبل) فإن العلاقات الوثيقة التي تربط الملك سلمان بالمؤسسة الدينية المحافظة سوف تدفع الأخيرة للعمل من أجل أن يكون أكثر ارتياباً وسلبية إزاء إيران على وجه الخصوص، والشيعة بصورة عامة بما يشمل شيعة العراق»(16).

ولا بد من الفات الإنتباه الى أن التحالفات الدينية والقبلية التي عقدها الملك عبد العزيز وأبناؤه في سبيل إقامة كيانهم في الجزيرة العربية ليست على نفس القدر من القوة والزخم في عهد الأبناء والأحفاد. ففي حال تفجّر الغيرة وصراع النفوذ والثروة في حرب مفتوحة داخل العائلة، فإنها قد تفضي الى دمار الدولة السعودية. وإن فناء الملكية المطلقة لن يكون غير قابل للتحقّق بعد الآن. غياب قيادات كاريزمية مرتبطة بفترة التأسيس والمؤسس، واتساع دائرة التنافس والصراع على السلطة بين أبناء الجيل الثاني سوف تفضي الى توزّع الولاءات القبلية بين عدد غير محدود من الأمراء.

في مجتمع يخضع لتجاذب تيارات فكرية واجتماعية وسياسية متنافرة، ينزع بعض الملوك والأمراء الكبار الى توظيف الخلافات لتعزيز مواقعهم في حلبة الصراع على السلطة. على سبيل المثال، حظي الملك عبد الله بمكانة خاصة وسط المجتمع نتيجة مواقفه المعلنة من قضايا الإصلاح وحقوق المرأة. وكان كثير من النساء السعوديات ينظرن اليه بكونه نصيرهم السري في مجتمع يقمع بشدّة حقوق المرأة. لم يقم باصلاح السعودية، ولكنه كان قادراً على الحفاظ على مستوى من الاستقرار(17). في المقابل، كان الأمير نايف (توفي سنة 2012) يتبنى موقفاً متشدّداً إزاء المرأة. وقد أطلق تصريحاً قبل أيام من تعيينه نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء في 27 آذار (مارس) سنة 2009 بأن السعودية «لا تحتاج إلى تمثيل للمرأة في مجلس الشورى»، المعيّن من قبل الملك، و»لا تحتاج إلى إجراء انتخابات لأن التعيين يختار الأفضل دائماً»، وأنه «لو كانت العضوية بمجلس الشورى بالانتخاب لما كان الأعضاء على مستوى من الكفاءة»(18).

عبد الوهاب فقي

مجلة الحجاز

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى