ــالنشرةحقوق الانسان

السجناء المنسيّون| مصطفى المعلم.. 25 سنة معتقلٌ دون تهمة في السجون السعودية

مرآة الجزيرة

تفاجأ الشاب مصطفى بالهجوم الكاسح من عساكر الداخلية على بلدته واستخدام العنف في التعامل مع الأهالي. اعتقلت المباحث العامة الشاب المعلم من دون أي مسوّغ قانوني لاعتقاله كما يحصل عادةً في بقية دول العالم إذا ما أريد اعتقال متهم في قضيّة ما. لم تكتف العناصر المسلّحة بذلك إنما عاثت فساداً في بيت عائلته، وكل ما يرتبط بهم.

المعتقل تعسفياً منذ 6 أبريل/ نيسان 1996، وابن بلدة الجارودية في القطيف بقي تحت سياط الجلّادين التي تجبر المعتقل البريء على الاعتراف بتهم لم يرتكبها. وفي وقتٍ لاحق، أعلن وزير العدل الأميركي أن مصطفى أحد المشاركين في تفجير الخبر الذي أدى إلى مقتل 19 طياراً أمريكياً، بينما مصطفى لم يسمع بذلك لأن الخبر الأمريكي صدر عام 2001 أي في الوقت الذي كان فيه مصطفى مقطوعاً عن كل ما هو خارج السجن بالكامل.

لم يتراجع النظام السعودي بالتواطؤ مع واشنطن لإلصاق التهمة بالمعلم رغم وجود ما فيها من أدلة دامغة تنفيها وعلى رأسها أن اعتقاله سبق انفجار المقر الأمريكي بثمانين يوماً. وبعد ما يقارب العقدين من الزمن أبلغ النظام السعودي مصطفى أنه عليه قضاء بقية حياته في السجن، دون عرضه على قاض أو السماح له بالدفاع عن نفسه والاستماع إلى أدلة نافية للإتهامات.

قضيّة الشاب مصطفى تتقاطع مع رفاقه المعتقلين المنسيين، فمنذ اللحظة الأولى لاعتقالهم تم التحقيق معهم دون إتاحة الفرصة لهم أو لأهاليهم بتوكيل محامين للدفاع عنهم، بل اكتفت سلطات الرياض بتكليف ضابط التحقيق بتمثيل الدفاع عن المتهم أمام محاكم تشرف عليها المؤسسة الدينية السلفية المتشددة تجاه الشيعة متمثلة في هيئة القضاء، والتي تضم قضاة لا يستندون على قوانين مكتوبة أو مرجعية قضائية محددة، بل تصدر أحكام هؤلاء القضاة باجتهاد خاص يخضع لرغبة القاضي ومزاجه وظروفه النفسية في قبال المتهم، ضمن محاكمات يلفها التكتم والسرية حتى عن ذوي المتهمين، ولا تبلغ الأحكام إلى المتهمين أو ذويهم.

تعرّض الشاب المعلم كسائر رفاقه المعتقلين المنسيين إلى أبشع وأقسى أصناف التعذيب في أثناء فترة وجودهم في سجن مباحث الدمام ومنها: توقيت الاعتقال، إذ تم اعتقال البعض فترة الأعياد أو بالتزامن مع انعقاد حفلات زواجهم، سب المعتقدات الدينية والذات الإلهية، السب والشتم الشخصي، الضرب بأدوات حادة كالعصي الكهربائية والكرباج، وكيابل الكهرباء، الكرسي الكهربائي الدوار إذ يجلس المعتقل على كرسي يعمل بالكهرباء ويدور به حتى يفقد المعتقل وعيه أو يتقيّأ وغيرها من أساليب التعذيب الوحشي التي أدت إلى تدهور صحة المعتقلين دون السماح لهم يزيارة الطبيب وتلقي العلاج اللازم.

نتائج التحقيقات الرسمية التي نشرت بشأن تفجير الخبر، لم تتوصّل بشكل واضح إلى الجهة التي تقف خلف هذا العمل. كما أن التعاون الأمني الكبير الذي أعقب الحادث بين الأجهزة الأمنية السعودية والأمريكية لم يسفر عنه توافق حول تحديد الجهة التي تقف وراء التخطيط والتنفيذ للعملية، وفي حين أن “السعودية” أعلنت مراراً أنها لن توجّه أي اتهام لأيّ دولة أو مجموعة في الخارج ما لم تتوفر لديها أدلة واضحة تثبت وتدين المتورطين بما لا يقبل الشك، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إلقاء اللوم على جمهورية إيران الإسلامية والجماعات الموالية لها في المنطقة وعلى رأسهم جماعة “حزب الله الحجاز”.

يذكر أن “الوكالة الأمريكية للأنباء” نشرت تحقيقاً في خمس حلقات من قبل أحد كبار الصحافيين فيها وهو “غارت بارتر” أوضح أن السلطات السعودية حرّفت التحقيق بشأن تفجيرات الخبر بحيث لا يشمل عناصر القاعدة وقد جاء هذا الخداع بالتواطؤ مع “لويس فراي” مدير “الإف بي آي” آنذاك الذي روّج لشائعة صديقه السفير السعودي في واشنطن حينها بندر بن سلطان الذي اتهم إيران والمواطنين الشيعة بأنهم وراء التفجير.

الغريب في كل هذا أن من انتدبوا للتحقيق في تفجير الخبر أصبحوا يعملون رسمياً لصالح “السعودية” بعد أن استقالوا أو تقاعدوا، وهذا ما يوضحه الكاتب في التحقيق في قوله إن السلطات السعودية قدّمت لـ”ديفيد ويليمز” الذي كان يعمل في قسم مكافحة الإرهاب اعترافات مفبركة لثلاثين مواطناً شيعياً قالت إنهم وراء التفجير لدعم الحرس الثوري ولكن الحكومة الأمريكية رفضت هذه الاعترافات خاصة وأن الرياض رفضت مشاركة “الإف بي آي” مباشرةً في التحقيق أو معرفة أسماء المعتقلين.

 كانت السلطات السعودية وخاصة الأمير نايف وزير الداخلية بحاجة إلى إلقاء التهمة على أحد ما دون حدوث تداعيات على عائلة آل سعود، ودون إدانة الوهابيّة التي كان لها في ذلك الحين امتيازات قضائية واجتماعية ودينية متقدمة، الأمر الذي سيؤثر على أتباع الوهابية داخل “السعودية” وفي مختلف أنحاء العالم إذا ما قاضت السلطات السعودية الوهابيين، لذلك، لم يجد النظام السعودي أفضل من إلقاء التّهمة على المواطنين الشيعة. وهذا ما يخلص إليه التحقيق الذي يورد أن الخداع الذي مارسته السلطات السعودية لم يثر ضجّة في الولايات المتحدة رغم انكشافه، لأن التغطية بكبار المسؤولين في مكتب التحقيقات الفدرالي ساعدت على تحقيق تلك الغاية. ويلفت الكاتب إلى أن بن لادن هو وراء تفجير الخبر كما أكّد ذلك بنفسه عندما تبنّى تفجيرات الرياض عام 1995 والخبر عام 1996، وقد وجد المراقبون تشابهاً كبيراً بين التفجيريين.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى