ــالنشرةتقارير

“المجتمع المدني” في لبنان: يدُ سمير جعجع.. بمباركة “سعودية”

مرآة الجزيرة– يارا بليبل

منذ عامين وعدّاد الأحداث في لبنان لا يتوقف، أحداث من النوع الذي دفع تراكمها بالشعب اللبناني حداً وصل بهم إلى غياب القدرة على تعدادها أو ربطها زمنياً أو فهمها أو شرحها، فيختصر كل ما جرى بالقول: “لسنا بخير”.

في الذكرى الثانية لاحتجاجات 17 تشرين الأول/ أكتوبر، لم يتبق من المجموعات المشاركة سوى رزمة من المتسلقين على حالة احتجاجية كانت حقيقية في أيامها الثلاثة الأولى، ولربما كمين الطيونة كشف القناع كاملاً عن هؤلاء، بحيث يستطيع أي مراقب لحسابات الـ”نيو_أحزاب” وشباب الـ “إن.جي.أوز” الجدد ممن “يتفهمنون” في رسم معالم لبنان “العلماني والحر واللاطائفي”.

لم يكن شعار “كلن يعني كلن” وحده مؤشرا لما يحضّر للداخل اللبناني، كثيرة هي الاستعراضات “التنويرية” التي أنجزت من مثل تعليق مجسمات المشانق لزعماء الأحزاب، وغيرها من أساليب التفنّن في إخراج الصورة ونسجها للإعلام المحلي والغربي، مع تسجيل غيابها عن أي تحرك ضد مصرف لبنان المركزي أو المصارف التجارية، على سبيل المثال، لما تمثله من شريك للمنظومة الحاكمة بالتضافر مع سياسيين لبنانيين استثمروا فيها واعتاشوا منها.

إستغلت هذه المجموعات انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب لتغذيّة حضورها، وتلفيق الاتهامات جزافا تجاه طرف لبناني وحلفائه في السلطة دون غيرهم لتتوالى بعدها حفلات التسليم والتسلم بين القضاة للتحقيق في انفجار العنبر رقم 12 في المرفأ، حيث كان آخرها مع القاضي طارق البيطار الذي تبنى سياسة سلفه في طلب التحقيق الحصري مع مسؤولين تابعين لجهة معيّنة واستثناء آخرين، الأمر الذي وجد فيه السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير إنحيازا وتسييسا للملف مطالباً الحكومة بعزله.

اليوم وأكثر من أي وقت مضى فُضح “المجتمع المدني والحقوقي” والقوى “التغيرية” التي لم تر في أحداث الطيونة سوى “مئات من المتظاهرين المسلحين يتوجّهون الى قصر العدل لتهديد القضاة”، بما في الأمر من فُصام في الموقف الذي تبنوه سابقا إزاء العنف الذي كانوا قد تعرضوا له إبان تظاهرهم في وسط بيروت.

المطلوب زيادة الضغط على المقاومة

وفي تعليق للصحافي والكاتب حسين مرتضى لـ “مرآة الجزيرة” على المستجدات واحتمالات المواجهة المقبلة، قال ” كل الاحتمالات حتى هذه اللحظة مفتوحة، وأصبحنا امام قضيتين منفصلتين” موضحاً بأن” ما جرى في الطيونة حسابه مختلف ومتابعته مختلفة، سيكون هناك عدة مسارات والتعاطي مع القوات في المرحلة القادمة مختلف.” مردفاً ” لم يعودوا شركاء بل هم قتلة مجرمون، المهم والمطلوب تسليم القتلة ووضع حد لهذه الانتهاكات التي تمارسها القوات”.

لافتاً إلى أن” حزب القوات بات فصيلا تخريبيا يتواجد على الساحة اللبنانية، ينفذ أجندات خارجية ويعمل حسب الدفعة وكمية الأموال التي يتلقاها، إنهم مرتزقة لمن يدفع”.

أما في ما يتعلق بقضية تفجير مرفأ بيروت، يؤكد مرتضى ” نريد الحقيقة وأن يتم الكشف من يقف وراء الانفجار ومن أدخل النييترات ومن غطى بقاء هذه الكميات طيلة هذه السنين”، وفي الحديث عن مصير القاضي طارق البيطار يشددّ على أنه “محسوم بالنسبة لحزب الله وحركة أمل ولا تراجع عنه، ومسألة البحث عن مخرج وما يتم تداوله عن محاكمة النواب في المجلس الأعلى لمحاكمة النواب والوزراء مع بقاء البيطار، حتى هذا الأمر والحل لم يعد مقبولا بالنسبة لحزب الله وأمل”.

الكاتب الصحافي حسين مرتضى

وفي تطرقه لما سجله الجيش اللبناني من تناقض في بيانيه لناحية اختلاف الرواية المقدمة عن مجريات الحدث، أعرب مرتضى عن أسفه من تبديل الجيش لموقفه، كاشفا عن “أن الاجتماع الأمني الذي تم عقده بعد ساعات من الكمين، أكد خلاله كل قادة الأجهزة الأمنية في تقريرهم الأولي على ما تعرض له المتظاهرون من إطلاق للرصاص وأن الإصابات كانت موجهة إلى الرأس والصدر”. واضعا ما جرى في سياق الضغوط السياسية، مستشهدا بحركة السفيرة الأميركية المشبوهة باعتبارها “رأس الافعى فيما يجري في لبنان”.

وفي الحديث عن التعاطي الأمني مع الحدث، لفت مرتضى بأن ” الكل كانت لديه المعلومات بوجود تحركات مشبوهة، لكن لم يتم وضع احتمالية أن يتجرأ هؤلاء على القيام بهذه المجزرة، حيث كان التركيز على أن لا يتجاوز المتظاهرون الخطوط التي رسمت لهم كطريق للمظاهرة، لكن أن يتم القيام بما قاموا به اعتقد انه كان تقصير فعلا بالاجراءات التي تم اتخاذها”، موجزاً بالقول “لم يتصوّر الأمنيون أن يكون هناك مغامرة بهذا الشكل من قبل القوات وجعجع”.

وفي رصده لانعكاسات كمين الطيونة على الصعيد الحكومي، قال مرتضى أن “موضوع الحكومة مفتوح على كل الاحتمالات، في لحاظ تضاعف الضغط من قبل الاتحاد الأوروبي لأنهم يريدون أن يجيّروا التحقيق في انفجار المرفأ لمكاسب سياسية وزيادة الضغط على المقاومة”، لافتاً إلى أنه في حال وافق حزب الله على هدنة مع كيان الاحتلال أو على ما يريده الاحتلال بمسألة الحدود البحرية، “سيتم إغلاق التحقيق في مرفأ بيروت غدا، هم لا يريدون الحقيقة يريدون تحقيق مكاسب من دماء شهداء المرفأ”.

وعلى مستوى التغطية الإعلامية، أعرب الصحافي والكاتب حسين مرتضى عن أسفه لإصرار بعض وسائل الاعلام في لبنان على تشويه الحقيقة”، حيث أنه منذ اللحظة الاولى صيغ الخبر بوصفه اشتباكا بين جهتين ” مع العلم أنه بكل الحقائق والمعلومات كل ما حدث كان نتيجة لكمين غادر وبعد سقوط الشهداء عندها صار هناك سلاح آخر وحصل الاشتباك، وإلا كيف استمر الجيش لأكثر من ساعتين ولم يستطع الدخول إلى بعض الأبنية “

بالاضافة إلى، “التعاطي مع الضحايا والشهداء بتمييز ومحاولة التبرير للمجرمين للقيام بهذه الاعمال”، خاتما حديثه لـ”مرآة الجزيرة” بالقول “إن الإعلام في لبنان لم يعد إعلاما بل أبواقا تخدم مشاريع الدول التي تدفع، إنه إعلام مرتزق”.

“السعودية” الغائب الحاضر

في لحاظ غياب أي معالم واضحة لمآلات الوضع اللبناني الداخلي لكونه ساحة مواجهة إقليمية ودولية تعززها الانتخابات النيابية والرئاسية المرتقبة في العام المقبل، فإن حزب القوات اللبنانية بهمجيته وما ورد على لسان زعيمه سمير جعجع من وصف للحدث بأنه “ميني 7 أيار، لكن مع المسيحيين”، لم يكن بما أقدم عليه يطلب الانتحار السياسي بالتأكيد، لكنه بنى على أن خطوته ستعزز من شعبيته مسيحياً من جهة، وستزيد النقمة على الثنائي الشيعي من داخل حاضنته الشعبية من جهة ثانية.

في هذا السياق، لا يمكن تبرئة محمد بن سلمان من دماء الشهداء والجرحى اللذين سقطوا في كمين الطيونة، وذلك يعود لسبب بسيط مفاده أن “مملكة الخير” وإذ أنها سدّت “حنفية الدولارات” عن كل أدواتها المحلية في الداخل إلّا أنها لم تبخل على سمير جعجع بذلك.

لا يتردد بن سلمان في دعم رئيس القوات اللبنانية، لما بينهما من مشتركات ليس أولها اليد الملطخة بدماء الأبرياء بل وعمالتهما للكيان الصهيوني إذ أن الفرع اللبناني كان قد أثبت ذلك بالصوت والصورة إلّا أن بن سلمان مازال يحافظ على اللعب من تحت الطاولة.

يرى بن سلمان في سمير جعجع بديلاً موثوقا به لناحية عدم قدرة الأخير على الالتفاف وتلوين مواقفه داخليا، خاصة مع تشبيكه المباشر مع السفارة الأميركية في عوكر ولما بناه من عداوات داخلية وغياب للثقة مع فلول 14 آذار.

لن تتوانى الرياض عن الاستثمار في المجال اللبناني بالرغم مما يتم تداوله من تطورات مأمولة في اللقاءات مع إيران، بل على العكس إن زيادة الضغط على مختلف الساحات وسعيها للحسم أو تحقيق نصر في إحدى الملفات الشائكة بين الطرفين، يقوّي من موقفها عند بلوغ مرحلة المفاوضات.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى