ــالنشرةتقارير

قيس سعيّد وآل سعود: خوف من الديمقراطية!

مرآة الجزيرة – يارا بليبل

تتسارع وتيرة الأحداث في تونس، فمنذ مساء الأحد 25 تموز 2021، وعقب اجتماع طارئ للقيادات العسكرية والأمنية برئاسة الرئيس قيس سعيّد، أعلن الأخير إعفاء رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي من منصبه وتجميد عمل واختصاصات البرلمان لمدة 30 يوماً، كما تولّي السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس حكومة يعينه بنفسه.

خلال تلك الفترة مددّ الرئيس سعيّد العمل بالإجراءات الاستثنائية للمرة الأولى في 23 آب الماضي، ليسجل تمديده الثاني في 22 أيلول، بالاستناد إلى المادة 80 من الدستور الموافق عليه شعبياً عام 2014. يأتي هذا التمديد بعد ما شهدته العاصمة تونس، قبل أسبوع، من تظاهرتين إحداهما مؤيدة لإجراءات الرئيس وأخرى معارضة لها، وقد وصف سعيّد في خطابه بولاية سيدي بو زيد، في 20 أيلول، المظاهرة المناوئة لتدابيره بـ”مسرحية مخرجُها معروف وفاشل وممثلوها من أسوأ الممثلين”، وقال إنه اختار سيدي بوزيد لأنها مهد الثورة الحقيقية “لا تلك التي عرفت مشاركة بضع عشرات”، مضيفاً بأن الأهداف الحقيقية لمن يتظاهر بالصدق هي مزيد من التنكيل بالشعب التونسي، مؤكداً أن القضية ليست قضية حكومة فقط بل قضية منظومة كاملة، مهددا إياها بالقول أن “صواريخنا الدستورية على منصاتها وجاهزة للانطلاق”، مشيرا إلى أن المجلس الذي يطالب به المحتجون بالعودة إليه تباع فيه القوانين وتشترى.

يذكر أنه خلال نحو شهرين، وُضع نحو 70 شخصية تونسية تحت الإقامة الجبرية بينهم قاضيان وقيادي أمني ونائبان بالبرلمان، كما صدرت 19 إقالة لوزراء ومحافظين مقابل تعيين 11 مسؤولا جديدا.

ومع إعلان قيس سعيّد الإستمرار بالتدابير الاستثنائية، بادرت الأحزاب التونسية إلى اصدار بيانات ومواقف تعكس مدى التمايز الداخلي في تقدير واقع البلاد وما يراد من هذه الإجراءات، حيث عبّر كل من حركة النهضة، حزب قلب تونس وحزب التيار الوطني عن رفضهم لقرارات سعيّد واصفين ما أقدم عليه بالانقلاب على الدستور وأنه استغل الموقف بـ”أقبح أشكال الانتهازية”، بحسب الأمين العام السابق لحزب التيار الديمقراطي محمد عبو.

من جهة أخرى، باركت “حركة الشعب” إجراءات الرئيس مطالبة إياه بتوضيح وضعية النواب، كما اعتبر حزب ” التيار الشعبي”، المنشق عن “حركة الشعب”، في بيان أن تدابير الرئيس “تعدّ خطوة مهمة نحو إسقاط منظومة الفساد والإرهاب، وجسر للعودة الى المسار السليم لثورة 17 ديسمبر وبناء الدولة الوطنية”. في حين عبّر حزب “العمّال التونسي” عن رفضه للإجراءات الرئاسية باعتبارها ” تؤسس لحكم فردي ومطلق واستبدادي”، وتحميل حركة النهضة وحلفاءها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في تونس.

يُنظر إلى إصرار الرئيس التونسي على خياراته وتمسكه بالفصل 80 من الدستور على أنه مواجهة سياسية بلبوس قانوني، إذ أن خلاف قيس سعيّد مع بعض الأحزاب في تونس وخاصة حركة النهضة يعود إلى انتخابات عام 2019 التي أفرزت مشهداً برلمانيا حاجبا لأي أغلبية، وما نتج عنه من كيديّة بين الرئيس من جهة وكل من الحكومة والمجلس النيابي من جهة أخرى، في آلية التعاطي مع الملفات.

يستند قيس سعيّد في إجراءاته على حقيقة تفيد بفشل حركة النهضة في التعاطي مع الأزمات التي عصفت بالبلاد على مستوى الاقتصاد والفساد الإداري ليشكل الملف الصحي إثر جائحة كورونا. كل ما ورد ساهم في خلق حاضنة شعبية يرتكز إليها، وهو الآتي من خارج عباءة الأحزاب التقليدية في ظل وضع سياسي داخلي غير مستقر.

دستور تونس… جريمة

وفي تعليق خاص لــ”مرآة الجزيرة” اعتبر الدكتور صلاح الداودي، ناشط وباحث سياسي تونسي، أنه “لا يوجد تمديد بالمعنى الدقيق وإنما استكمال لمسار التغيير والإصلاح، المنسجم مع طبيعة حالة الاستثناء، والتي لا تعني حالة خروج ولا مجرد حالة زمنية وإنما إنقاذ للوضع عبر تعليق العمل بالإجراءات الحالية ريثما يتم الانتقال إلى حالة دستورية وسياسية جديدة”، مضيفاً أن ما تم اعتماده من قرارات “استوجبته الضرورات الواقعية والجرائم المرتكبة من قبل الجهات الداخلية بتبنيها دستور عام 2014، ولحكمها تونس على مدار 10 سنوات، وما نتج عنه من مخاطر غير مسبوقة ولا تنفك تتفاقم على الوطن والشعب والدولة “.

الباحث السياسي صلاح الداودي

مؤكداً في حديثه أن المطلوب يتمثل بـ” تنفيذ القرارات الصادرة عن الرئيس والقائلة باصدار المراسيم المتعلقة بالإصلاح السياسي والقانوني والدستوري، كما والنظام الانتخاببي المعمول به وعرضها على الشعب عبر الاستفتاء، وضرورة أن يستكمل هذا المسار بانجاز انتخابات مبكرة وتأليف حكومة تتبنى المسار الإصلاحي والمحاسبي في البلاد”

مشيراً أن هذا المسار يخضع بطبيعة الحال لإحتمالية أن يواجه بـ” إثارة القلاقل الأمنية لإرباك الوضع العام، والاعتداء على أمن البلد عبر أدوات الإرهاب والجريمة المنظمة داخليا وخارجيا، ولكن ذلك حسب تقديراتنا لن يعيق هذا المسار التاريخي حتى إذا استدعى صراعا محدودا”، مؤكدأ في حديثه لـ”مرآة الجزيرة” على صون مناخ الحريات المكفول في الدستور التونسي. 

أما عن الدور الخارجي في الأزمة يشير الدكتور صلاح الداودي منسق شبكة باب المغاربة للدراسات الاستراتيجية بوجود ” دعم إقليمي ودولي واسع النطاق لما يجري في تونس، أهمه الجزائري والمصري والفرنسي”، مشيراً إلى أن “دوافع كل طرف تختلف من حيث المبدأ والمصلحة، أو الإثنين معاً”.

وعن الدور الخليجي، يضعه الباحث السياسي التونسي ضمن إطار الانفصام القائم في المنطقة العربية بين محور إخواني مدعوم تركيّاَ ومحور وهابي مدعوم من الثنائي السعودي والإماراتي.

خاتماً حديثه بالتأكيد على أن ” القرار التونسي محض وطني وسيادي ولا قدرة لأي دولة على رهنه، لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي رغم وجود التأثيرات”، مستطرداً بالقول أنه “في نهاية المطاف الرئيس قيس سعيّد هو رئيس دولة، والدولة تتعامل مع محيطها ومع العالم وليست مجرد حزب أو اتجاه واحد. وتونس سوف تكون في مكانها الصحيح مستقبلاً، الذي يقوم على أسس صحيحة بما يحفظ لها السيادة والانتماء إلى عالم التحرر والقضايا العادلة الوطنية والقومية والإسلامية والعالمية”.

إنقلاب تحت مسمى تدابير استثنائية

توضح لمياء الخميري، الأمين العام لحزب حراك تونس الإرادة، بأن ” قيس سعيّد لم يمدّد التدابير  الاستثنائية فقط، بل علّق الدستور وانقلب على الشرعية”، مؤكدة بأن التدابير الاستثنائية المعتمدة من قبل سعيّد لا تعدو كونها ” قراءة تعسفية للفصل 80 من الدستور، بُغية التفرد بالسلطة والحكم وتمرير الانقلاب تحت مسمى تدابير استثنائية”.

منوّهة في حديثها لـ”مرآة الجزيرة” إلى أن ” الفصل 80 من الدستور  لم يتطرق إلى تدابير استثنائية بل تحدث عن تدابير (دون توصيف) لحالة استثنائية، بمعنى ليس للتدابير أن تكون بالضرورة استثنائية لأن الدستور وصّف الحالة بها وليس التدبير الذي يمكن أن يكون عاديا”.

لمياء الخميري الأمين العام لحزب حراك تونس الإرادة

وأردفت الخميري  بالقول ” إننا في حزب حراك تونس الارادة منذ اللحظة الأولى نظرنا إلى إجراءات قيس سعيّد بوصفها انقلابا سافراً على الدستور والشرعية، باستناده على الجيش وقوى الأمن وكافة مؤسسات الدولة التي طوّعها لإرادته”، مستشهدةً بخطابه الأول، مساء 25 تموز، عند اعلانه للاجراءات وظهوره محاطاً بمجموعة من قادة الجيش.

مشيرةً إلى سيطرة سعيّد على كافة السلطات من خلال “إغلاقه للبرلمان ومنع النواب من دخوله، إقالة رئيس الحكومة، كما لجوئه إلى القضاء العسكري لمحاكمة خصومه السياسيين من المدنيين” مضيفة بأنه” ألغى كل المؤسسات الشرعية الرقابية، حاصراً إياها بشخصه فقط”.

وعن موقف حزب حراك تونس الإرادة من خطاب الرئيس الشاجب للتظاهرة التي رفعت مطالب التراجع عن التدابير الاستثنائية، عبّرت لمياء الخميري عن ثقتها بانتفاض الشارع التونسي لاستنكار ورفض انقلاب الرئيس، بشكل خاص “بعد ما أظهره من حقد تجاه المحتجين، ونعتنا بالمأجورين والمخمورين”.

وأعلنت الخميرري “تأسيس جبهة ديمقراطية ضد الانقلاب بالتفاهم مع جملة من الأحزاب، حزب الوفاء والحزب الجمهوري الشعبي وحزب الإرادة الشعبية، وأصدرنا بيانا اعتبرنا فيه قيس سعيّد فاقداً للشرعية ويجب مقاومته وعزله من الحكم بكل الطرق المدنية السلمية”.

وعن احتمالات التوتر الأمني، لفتت الخميري بأنهم في الحزب “لا يتوقعون تصعيدا أمنياً، لثقة لدينا بأن الأمن جزء من الشعب الذي ناله ما ناله من تفقير وانسداد للأفق”، متمنيةً أن “يمتنع الجيش والأمن عن تلقي تعليمات الرئيس والاستجابة لها، لأن الانقلاب أيامه معدودة، وحينها سيحاسب قضائيا كل من وقف وساند وشجع الانقلاب وخالف القانون”.

وفي سياق منفصل، اعتبرت الخميري في حديثها لـ”مرآة الجزيرة” بأن “التأييد السعودي لقيس سعيّد معروف ومبرر، لأنهم لا يريدون ديمقراطية في البلاد، فمن الأنسب لهم ولبعض المجموعات الأخرى إجهاض التجربة التونسية بعد استنساخها من طرف عدة شعوب”، مضيفة بأنهم ” يخافون المد الديمقراطي لما يمثله من خطر على عروشهم”.

وختمت الأمين العام لحزب حراك تونس الإرادة حديثها بالتذكير أن الرياض لم تكن وحدها في صف الرافضين للثورة التونسية، بل شاركتها الإمارات الموقف عينه، مؤكدة أن” هذه الأنظمة تخاف من تطلع الشعوب للكرامة والمشاركة في الشأن العام كمواطنين يمارسون حقوقا كاملة ويصنعون أملاً في ظل نظام ديمقراطي يحاسب فيه الشعب الحاكم الذي ينتخبه لمدة نيابية معلومة ثم يغادر ويترك المكان لغيره”.

موجزة حديثها لـ”مرآة الجزيرة” بالقول إن مفردات من مثل “ديمقراطية، مواطنة، محاسبة، حقوق، حريات، تعبير، كرامة وغيرها ترعبهم وتهز أركان العرش من تحتهم”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى