ــالنشرةتقارير

رلى إبراهيم: عزوف “السعودية” عن تهنئة الحكومة اللبنانية.. إشارة سلبيّة

مرآة الجزيرة

بعد ما يزيد على عام من إستقالة حكومة رئيس الحكومة السابق حسان دياب (10 آب 2020) وفي أعقاب انفجار مرفأ بيروت (4 آب 2020)، والتي استمرت في تصريف الأعمال طيلة هذه الفترة، وبالتالي فإن الأزمات المالية والسياسية والمعيشية كانت تستفحل دون أية مواجهة حقيقية لها.

 الحكومة الجديدة والتحديات

أتت التشكيلة الوزارية على الطراز القديم، إن من حيث التمثيل السياسي والآليات المعتادة في التكليف والتأليف اللبنانية من جهة ، ومن حيث طلب المباركات الخارجية من جهة أخرى. فمنذ 17 تشرين الأول تاريخ انطلاق الاحتجاجات، التي طالت كافة المناطق اللبنانية رفضاً للفساد وطلبا للعدالة الاجتماعية وغيرها من الشعارات والتي أظهرت مع الوقت قدرة الأحزاب التقليدية على خرق التحركات والمشاركة بلبوس مدني،  إستمر منذ ذلك الحين تدهور الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي في البلاد.

إذ اعتبرت الصحافية في جريدة الأخبار اللبنانية رلى إبراهيم في حديثها لـ”مرآة الجزيرة” أنه” لا يمكن الحُكم على الشخصيات الجديدة التي عيّنت منذ الآن، لكونها أتت من خارج الطاقم السياسي المعروف والوجوه المعروفة، كما لا يمكن الارتكاز على توصيف اختصاصي لضمان نجاحها في المهمة، ذلك لكون حكومة الرئيس حسان دياب مُنيت بفشل ذريع على الرغم من تصنيفها بالمتخصصة أيضا “، مشيرة إلى أنه ” ثبُت في لبنان، أن الاختصاصي عندما يتسلم حقيبة من المستبعد أن ينجح في ذلك”.

الصحافية رلى إبراهيم

وفي غضون ذلك، لم تنجح قوى “المجتمع المدني” والأحزاب الوليدة في تشكيل قادة يحظون بالدعم الجماهيري والثقة كما ولا في في صياغة برنامج وحدوي بمبادئه التغييرية والإصلاحية بالحد الأدنى. الأمر الذي إستغلته الأحزاب التقليدية،  بالتزامن مع حالة “اليأس المجتمعي” والامتناع عن المشاركة في تحركات معارضة للإجراءات المتخذة من قبل حاكمية مصرف لبنان وللوضع الإقتصادي المزري المحقق.

فقد نشرت منظمة الإسكوا تقريرا أظهرت من خلاله بأن نسبة الفقراء من سكان لبنان بلغت 55%. كما بيّنت في دراسة نشرت مؤخرا، عن إرتفاع في معدل قياس الفقر المتعدد الأبعاد من 42% في عام 2019 إلى 82 %من مجموع السكان في عام2021.حيث بلغ عدد السكان الذين يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد أربعة ملايين نسمة تقريباً. وهم يمثلون نحو مليون أسرة، بينها 77 % من الأسر اللبنانية.

وأمام ما ورد ذكره وفرص النجاح، تعلّق إبراهيم بالقول ” لا أرى أن هذه الحكومة قادرة على النهوض، خصوصا أن من يمثلها كرئيس حكومة، نجيب ميقاتي، يأتي بمهمة حماية المصارف من جهة ومحاولة إبقاء الوضع مستقرا إلى حد ما وصولاً إلى الانتخابات النيابية من جهة أخرى، وبالتالي هي حكومة انتخابات وهدفها الأساسي إبقاء الشارع مستتبا إلى حين الاستحقاق النيابي”.

على ضوء كل هذه المعطيات، بات لزاماً على حكومة ميقاتي إتخاذ قرار مواجهة الحقائق والتعامل معها، ومن الأمور التي تم تخفيف عبء إقرارها على الرئيس الحالي، الذهاب تلقائيا ودون مقدمات لقرار رفع الدعم النهائي عن المحروقات بعيد تبني حاكمية مصرف لبنان هذا التوجه بزعم نفاذ مخزونها من العملة الصعبة. 

وفي هذا الإطار تضيف رلى إبراهيم بأن ” ثمّة ملفان شائكان تواجههما الحكومة، الأول يتمثل بالخطة التي من المفترض أن تتبناها مع صندوق النقد الدولي،  والثاني وضع مسار آليات معالجة الأزمة الراهنة المتعلقة بالمحروقات”، مشيرة إلى أنه ” من المتوقع أن يتزامن رفع الدعم نهاية الأسبوع المقبل أو كحد أقصى مع نهاية الشهر الحالي، مع موجة احتجاجات جديدة في الشارع على اعتبار أن ارتفاع  أسعار المحروقات لن يؤثر على وسائل النقل فقط بل سيؤثر على كل تفصيل في حياة اللبناني”.

تجاهل سعودي أم ترقب

وفي هذا السياق، لم يصدر أي تعقيب سعودي على إبصار الحكومة اللبنانية النور، السعودية الساعية لدفع لبنان نحو الفراغ السياسي والانهيار الاقتصادي، والمتعمّدة إفشال المساعي المحلية والإقليمية والدولية لانتشال لبنان من فراغه وأزماته، بل ليس مبالغا إن قيل أنها تدفع به نحو الهاوية، فإنها تقف الآن بموقف المترقب واللاعب من تحت الطاولة بهدف استكمال مشروعها التخريبي.

المتتبع للمشهد اللبناني والعلاقة مع السعودية، يرى جليا الطريقة المستخدمة من قبل آل سعود مع الساسة اللبنانيين، على وجه التحديد بعد التخلي عن رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري والعمل على تصفية شركته “سعودي أوجيه” وتوجيه صفعات متتالية له ومن خلاله إلى لبنان.

وفي ردها عن ما ورد، توضح إبراهيم لـ”مرآة الجزيرة” بأن” عدم تهنئة السعودية بتشكيل الحكومة اللبنانية يوضع ضمن نطاق الإشارة السلبية”، مضيفة بأنه ” يمكن جسّ نبض الموقف السعودي من خلال متابعة إعلامها الرسمي الذي شنّ هجوما على حكومة ميقاتي بالتزامن مع إطلاق هاشتاغ على وسائل التواصل الإجتماعي لمقاطعة البضائع اللبنانية”، ما يدلّ على أن ثمّة توجه يقضي بعدم المهادنة مع الحكومة الجديدة  إلا في حال جرى تهيأة الأرضية الكافية لإعادة العلاقات”.

كان يمكن ألّا تصل الحالة في لبنان إلى هذا الدرك المأساوي، فما يصح وصفه بالضربات التي حاول تسديدها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري على مدى سنتين من عمر الأزمة في البلاد، إنطلاقا من استقالته الشعبوية غير المدروسة وتسلّقه مطالب الشعب، ولاحقا حفلة التمنع والإمتناع عن التفاهم مع باقي الأطراف الداخلية لإعادة تكليفه بالتشكيل، وكل ما حصل من تجاذبات سياسية مع التيار الوطني الحر وجبران باسيل بشكل خاص، كما ورزمة الشروط التي طالب بها للمضي في التشكيل، وصولاً إلى الاعتذار. كلها عوامل ضاعفت من عمق الأزمة وساهمت في إزدياد الجمود السياسي والإداري، بالتوازي مع استغلال حاكم مصرف لبنان للفراغ الحاصل واعتماده سياسة “العلم والخبر”.

أتى كل ذلك نتيجة رغبة سعد الحريري البائسة باسترضاء محمد بن سلمان، وصل حدّ التوسط الفرنسي له دون الوصول إلى نتائج، وفي هذا المضمار تضيف رلى إبراهيم بأن ” السعودية لطالما دعمت الحريري الإبن، الأمر الذي لم يظفر به ميقاتي ولا غيره من نادي رؤساء الحكومة”، معتبرةً أن” ثمة علامات استفهام حول العلاقة التي تربطها بميقاتي، بلحاظ عدم حماسها لتسميته”، مستشهدةً بحركة السفير السعودي في لبنان وموقفه من ميقاتي.

وأردفت إبراهيم أن ” الحريري هو الصوت الأقوى سنيّا في لبنان، ولايزال مؤثرا مع نادي رؤساء الحكومات السابقين في تسمية أي رئيس حكومة كما حدث مع نجيب ميقاتي، كما وعرقلة قيام الحكومة قبيل 3 أشهر”، وقد نبهت إبراهيم إلى أن “تمكن ميقاتي من إرساء برنامج إصلاحي جيد جزئيا، سينعكس سلباً على الحريري وعلى فرصه في  توليه الحكم مجددا”.

وفي الحديث عن موقف دول الخليج، بادرت إبراهيم بالقول ” إن دول الخليج لا توصد الباب بوجه ميقاتي، بل على علاقة جيدة بالعديد منها”، كاشفة بأنه “من المفترض أن تكون الكويت أول محطة خارجية له”، مضيفةً أنه ” لا يمكن إستشفاف موقف دول الخليج من حكومة ميقاتي منذ الآن، على اعتبار أن كل من الإمارات وقطر لم تبادرا إلى قطع علاقاتهما مع لبنان حتى في ظل وجود فراغ حكومي”، مشيرة إلى “عدم وجود  مقاطعة سياسية خليجية بل نوع من “الحرد” السياسي سعودي من تأثير حزب الله على رئيس الحكومة أيّا كانت هويته، ولكنني لا أعتقد بأنه سيتحول إلى نزاع سياسي كبير”.

وفيما يرتبط بالعلاقة بين الرياض وميقاتي اعتبرت رلى إبراهيم أنه “لطالما كانت العلاقة مع ميقاتي غير مستقرة ولا قوية ولكن إضطرت السعودية للتعامل معه منذ عام 2005 ، دون التغافل عن أن مجيء ميقاتي بعد الإطاحة بحكومة سعد الحريري وترأسه لحكومة من لون واحد، فكان لا بد للـ”سعودية” أن تعاديها”، كما أوضحت بأن” السعودية ترتاب من ميقاتي وتضعه تحت مجهر المراقبة، وتعتقد بوجود علاقات متينة تجمعه مع النظام السوري بالانطلاق من أعمال شقيقه طه، كذلك ترى أنه ليس رجل حرب، بل غالبا ما يتبنى الموقف الوسطي ويتعامل بحذر شديد مع الفريق الآخر لحرصه على الابقاءعلى علاقته مع كل الأطراف، ما يؤكد عدم امكانية أن يمثل للإرادة السعودية”.

وفي السياق نفسه تعتبر إبراهيم بأن الرياض “قررت عدم التعاطي بالملف اللبناني إلى حين تبيان توجه ميقاتي وآليات تعاطيه مع الملفات الملحة لاسيما ملف حزب الله”، منوّهة إلى” صعوبة الفصل بين الموقف السعودي وتأثره بكل من الموقف الأميركي والفرنسي،في الدفع لتشكيل الحكومة والوصول بها إلى بر الأمان”. لذلك تؤكد في حديثها لـ”مرآة الجزيرة” أن “ثمة إستشفاف بسعي بعض الأطراف لرأب الصدع بين البلدين، على الرغم من أن رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية حاول شراء بعض الشعبية عبر استقبال السفير السعودي والقول انه سيفتح أسواق الخليج أمام البضائع اللبنانية لكنه لم يتمكن من ذلك وفشل في فتح الأبواب المغلقة”.

وعن الحصار “السعودي” ذكرت الصحافية رلى إبراهيم أنه ” بدأ رفعه جزئيا قبيل تشكيل الحكومة، ما ساهم في الدفع لتشكيلها عندما أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن انطلاق ناقلة النفط الإيرانية باتجاه لبنان، فسارعت السفيرة الأميركية في لبنان بالاتصال برئيس الجمهورية ميشال عون والإعلان عن السماح للخط المصري والأردني بالمرور عبر سوريا، ما يعني رفع جزئي للقيود فيما خص قانون قيصر”، منوّهةً إلى ” تبيّن للبنانيين أن من كان يعرقل وصول الكهرباء إلى لبنان وحل جزء من هذه الأزمة هي واشنطن”.

خلاف الحريري بن سلمان

في الفترة الأخيرة، تحوّلت رحلات سعد الحريري الخارجية إلى فلكلور يسعى من خلاله إلى التودد واستعطاف محمد بن سلمان عبر دول قد “تمون عليه”. وبحسب ما نقل عن مسؤول عربي كبير زار السعودية، والتقى “وليّ العهد السعودي” محمد بن سلمان، طارحاً عليه ضرورة مساعدة لبنان للخروج من أزمته، رفض الأخير تقديم أي مساعدة للبنان، مشيراً إلى أن بلاده “دفعت 20 مليار دولار بعد عام 2005 في لبنان، وهي غير مستعدة لتكرار التجربة، لأن اللبنانيين يرفضون مساعدة أنفسهم”. وقال ابن سلمان لضيفه: “نحن لا نثق بسعد الحريري لرئاسة الحكومة اللبنانية”.

تكمن المشكلة الأساس لدى الحريري، بما وصل إليه من حالة تشتت وعدم انتماء إن صحّ التعبير، فالرجل اليوم لا يحظى بتغطية أي جهة خارجية وداخلية اللّهم إلاّ رئيس المجلس النيابي نبيه بري وحزب الله، هذا وعلى الرغم من تعنّته في الكثير من المواقف معهم وبشكل خاص مع زعيم حركة أمل الذي أبقى على تبنيه والتمسك به طويلاً بوجه ميشال عون.

تفنّد رلى إبراهيم لـ”مرآة الجزيرة” مشكلة بن سلمان مع سعد الحريري بالتالي:

“أولاً، علاقة سعد الحريري بحزب الله، فقد أعلم الحريري الرياض بعدم قدرته على معاداة الحزب وانه مضطر للتواصل معهم وهذا بالحد الأدنى، التحالف مع حزب الله خيّب أمل السعودية في أنه لم يشكل رأس حربة ضد حزب الله.

ثانياً، التحالف مع التيار الوطني الحر، من خلال الاتفاقية التي عقدها الحريري مع زعيم التيار ميشال عون والتي أوصلت الأول إلى سدّة رئاسة الحكومة مع ضمان وصول الثاني رئيسا للجمهورية، وقد عدّت هذه النقطة محور تحول العلاقة بين الطرفين.

ثالثاً، سوء ادارته لشركاته وأزمة الإفلاس التي لحقت بها وبيعها بالمزاد العلني وعدم تسديد المستحقات لموظفيه،  كلها ساهمت في اتخاذ قرار اختطافه في الرياض 2017 كما حدث مع معتقلي الريتز، لكن الضغوط والوساطات الدولية خصوصا اللوبي السياسي الذي عمل عليه عون ساهمت في تحريره. منذ ذلك الحين هناك رفض مطبق على التواصل مع الحريري او حتى السماع باسمه.

وتوجز رلى إبراهيم في ختام حديثها بالقول أن “السعودية وإن كانت تريد تحييد الحريري عن المشهد السياسي والدولي من المفترض أن يكون ثمة بديل عنه، لكن رغم أفول شعبيته منذ آخر حكومة ترأسها وكذا تراجع حضوره السياسي وما خسره تباعا عبر الحلف الضمني مع حزب الله لكنه لا يزال الاقوى في المشهد اللبناني”.

وتعتبر الصحافية في جريدة الأخبار بأن” ثمة قيادات من الطائفة السنيّة ناجحة في بعض المناطق لكنها لا تحظ بحضور شعبي في كل المناطق كما هي الحال عند المستقبل، الأمر الذي يدفع المجتمع الدولي للتعامل مع الحريري، بما يلحظه من تمثيل جدّي في الطائفة ودار الفتوى، كما أن “آل الحريري” كعائلة تمكنوا من بناء نفوذ سياسي في المؤسسات، بالإضافة إلى علاقات الحريري الأب مع الدول الغربية بشكل خاص مع فرنسا ودول الخليج أيضا”.

مضيفة أنه “على الرغم من قدرة الحريري الإبن على وراثة علاقات أبيه كما الجمهور إلا أن جمهور الطائفة السنية في لبنان يفتقد إلى القيادة، وفي الوقت نفسه ليس أمام الرياض إلا الاعتراف بأن تجاهلها المستمر لسعد لن يأتِ بالبديل، حتى في غيابه عن الضوء في الفترة المنظورة فلقد حظيّ بوزيرين في الحكومة وسيكون بالتالي موجودا داخلها”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى