النشرةبارزشؤون اقليمية

حكومة بدون الثنائي الشيعي: أوهام واشنطن والرياض في لبنان

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

منذ استقالة حكومة الحريري في اكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حتى تكليف مصطفى أديب بمهام تشكيل حكومة جديدة، ولبنان يمر بسلسة من الإضطرابات السياسية والأزمات الإقتصادية والإجتماعية. لا يعني ذلك بالطبع أن البلد أثناء حكومة الحريري كان أفضل حالاً من اليوم، لكنه حتماً أصبح اليوم مأزوماً أكثر من أي وقت مضى، أكثر من حكومة الرئيس حسان دياب خفيفة الظل، والعابرة للقرارات السياسية التي كان من الممكن جداً أن تجنّب البلاد ما تقع فيه اليوم أو غد.

في كلمةٍ له يوم أمس الإثنين، اختصر الرئيس ميشال عون الوضع اللبناني بالقول أن البلاد ذاهبة إلى “الجحيم” في حال لم توافق القوى السياسية على تشكيل حكومة. مطلب بات حالياً بحكم المستعصي، إذ لا تلوح في الأفق أي بشائر لتبدد العراقيل التي تحول دون تأليف الحكومة. وكأن البلاد في الجنة أو في منطقة محايدة كي تتجه نحو الجحيم. اللبنانيون في الجحيم أصلاً منذ انعقاد اتفاق الطائف وتأسيس النظام السياسي الحالي.

إذا كانت أزمة تشكيل حكومة دياب السابقة قد اقتصرت على تناتش الحصص الوزارية بين أعضاء الفريق السياسي المؤيد للمقاومة، فأزمة تشكيل الحكومة الحالية تكمن في محاولة إقصاء فريق سياسي وازن، وله قاعدته الشعبية الضخمة، من المشهد السياسي اللبناني. يدفع نحو هذا القرار الإدارة الأمريكية بالدرجة الأولى، التي تعمل على مواجهة ومحاصرة جميع قوى المقاومة في المنطقة بشتّى السبل، فيما تواصل فرنسا العمل على نفس المشروع ولكن بشكل يبدو أكثر مرونة ودبلوماسية، خلافاً للطريقة الفجّة التي تتعاطى بها واشنطن مع لبنان.

مؤخراً، بدت المبادرة الفرنسية في لبنان تترنّح، على إثر مضاعفة الهجوم الأمريكي على حزب الله، من خلال وجوه عدّة في الحكومة المنشودة. ما يحصل الآن هو أن المبادرة الفرنسية وصلت أو ستصل عما قريب إلى طريق مسدود، خاصة وأن فريقاً في باريس بدأ يذهب نحو خيار ترك لبنان ومشاكله.

السبب الرئيسي في هذا التعطيل الحاصل، هو أن نادي رؤساء الحكومات السابقة وفي مقدمتهم سعد الحريري لا زالوا يصرون على تجاوز الواقع، والقفز فوق نتائج الإنتخابات اللبنانية لإقصاء فريق سياسي كامل من الحكومة، بفعل انصياعه لأوامر أمريكية مباشرة وإما تقديم أوراق اعتماده “للسعودية”.

والمفارقة هنا، أن الرياض نفسها لم تزل حتى الآن غير ملتفتة لمبادرات الحريري بالهجوم على حزب الله، لكسب الرضا، وتنظيف ملفه لدى آل سعود. فالرجل يعلم جيداً أنه ليس من طريقة لكسب ود السعوديين مجدداً، أفضل من إعلان أقصى حدود العداوة لحزب الله. فرغم أن الحريري يصرّ على عدم السماح للثنائي الشيعي بتسمية وزرائهم، وعلى حرمانهم من حقيبة المال، إلا أن محمد بن سلمان لم يرفع طرفه بعد للنظر إليه. ما يفعله الحريري في الوقت الحالي لا يمكن تفسير سوى بكونه انقلاباً سياسياً ناعماً ضد حزب الله وحلفائه، مع العلم أن هذا الفريق هو أول من تحرك لتخليصه من أنياب ابن سلمان بعد أن وقع في قبضته واحتجز في الرياض. حينها سعى حزب الله لإقناع الرئيس عون بأن لا يوقع له بيان الإستقالة الذي تلاه مرغماً من زنزانة طال عمره، فرفضه. وفي الوقت الذي خاض فيه الحريري معارك سياسية شرسة مع حلفائه بقيت علاقته جيدة نسبياً مع الثنائي الشيعي الذي حاول تقديم كل التسهيلات له، سواء حينما كان رئيساً للحكومة أو بعد استقالته.

يصرّ الرئيس المكلّف مصطفى أديب على عدم السماح لحزب الله بتسمية أي وزير. يرافق ذلك منع الثنائي الشيعي من الإحتفاظ بوزارة المالية التي كانت من حصة حركة أمل. وهي المسألة التي تحولت إلى أكبر من مشكلة قد ينحسر السجال حولها سريعاً كما كان يحصل عادةً خلال تأليف الحكومات السابقة، فبالنسبة للثنائي أصبحت حقيبة المالية مسألة جوهرية في تأسيس الحكومة لن يُسمح لأحد بإنتزاعها، ولن تنطلي عليه خدعة المداورة التي جاء بها أديب، لأن المشروع الذي ينخرط به أفرقاء محليين يهدف إلى تجريد الثنائي الشيعي من السلطة الإجرائية وإيكال مهام تسمية الوزراء الشيعة إلى أديب، وبوضوح أكثر لواشنطن. وبالتالي أصبحت الحقيبة بحد ذاتها معركة دفاع عن وجود سياسي.

وفي تعليقه على آخر مستجدات الساحة اللبنانية، يرى مدير معهد الدراسات الدولية د. علي عز الدين، أن “موقف رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري هو عبارة عن انقلاب مشابه كان قد اقترفه عشية عام ٢٠٠٧ وكان ثمن ذلك كبيراً على فريقه السياسي وقد تعودنا على الإنقلابات الحريرية وآخرها على الثنائي الوطني الذي أمّن له كل المتطلبات لعودته لرئاسة الحكومة بعد استقالته الأخيرة”.

مدير معهد الدراسات الدولية د. علي عز الدين

يفسّر عز الدين الناشط والمحلل السياسي، تعنّت الحريري ومن خلفه نادي رؤساء الحكومات السابقة “بالمراهقة السياسية غير المحسوبة، إرضاءً لأمريكا ترامب والسعودية محمد بن سلمان، وبدرجة أقل الإمارات المطبعة مع العدو الإسرائيلي”، لافتاً إلى أن “محاولة إقصاء القوى الشيعية عبر نافذة حقيبة المالية في الحكومة القادمة لن يحصل حسب تصريحات الثنائي الوطني حزب الله و حركة أمل”.

وعن الضغوط الأمريكية، قال إن “ترامب المأزوم داخلياً يريد أوراقاً ناجحة إنتخابية.. هدفه الأوحد إقصاء حزب الله من الحكومة وموقف السعودية هو موقف الموظف الصغير عند الأميركي الذي يريد أن يُظهِر لسيده الاميركي أنه بصدد زيادة الضغط على حزب الله وحركة أمل”، وتابع “إن محاولة الإقصاء المتجددة كانت قد بدأت منذ عام ٢٠٠٠ عندما تآمرت كل القوى بحرب تموز على حزب الله وحركة أمل”.

هذه المحاولة، وفق الناشط السياسي “تريد طمس المثالثة في الحكم الطائفي وإلغائها تمهيداً لضرب حقوق طائفة كبيرة في المكون اللبناني رغم كل الجهود الفرنسية عبر زيارة ماكرون إلى لبنان ووضع أرضية للنهوض الإقتصادي والإجتماعي عبر حكومة جديدة في لبنان”.

مدير العلاقات في المعهد الدولي نبّه إلى إن “قصر نظر الفريق الآخر (تيار المستقبل وحلفائه) جعله يعتقد أن بوسعه الإستقواء في الخارج وأن هذه فرصته لفرض حكومة من نوع ولون واحد وهذا ما أخّر تشكيل الحكومة وما زال عائقاّ أمام تشكيلها بالقريب العاجل رغم كل المحاولات من بعض الأفرقاء وتريُّث مصطفى أديب بعدم طرحه شكل الحكومة وعددها”.

أما في ما يخص الحكومة المنشودة بيّن عز الدين أننا أمام ثلاث احتمالات مفتوحة: “أولاً: تشكيل حكومة عبر إيجاد حلول وسط وإعطاء حقيبة المال للطائفة الشيعية عبر التوافق على صيغة اختيار الإسم المراد توزيره لحقيبة المال”، ثانياً: “تشكيل حكومة ميتة وذلك عبر التعنّت على شكلها وعددها وإن نالت توقيع رئيس جمهورية لبنان العماد ميشال عون الذي يتعرض بدوره إلى ضغوط دولية هائلة وعندها تنتقل اللعبة الديموقراطية إلى البرلمان اللبناني والدخول في متاهة ثقة ولا ثقة وتصبح حكومة تصريف أعمال ومواجهة بين الأقطاب”. وثالثاً: وهو الإحتمال الأكبر الإتجاه إلى اتفاق جديد عبر دعوة فرنسية يشبه اتفاق الدوحة ومؤتمر سان كلو يكون الخطوة الأولى لنظام سياسي جديد شامل تشكيل حكومة ووضع قانون إنتخابي جديد”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى