إساءة الإعلام السعودي للمرجعية الدينية في العراق.. مسلسل يراهن على إحداث الشرخ وإشعال الفتن

المحاولات السعودية لبث سموم الفتنة في العراق ليست وليدة اليوم، وقد صُبغ النهج الفتنوي السعودي بالصيغة النتنة على مر عقود منذ نشأة النظام الحاكم في الرياض. رسم كاريكاتوري عرضته صحيفة “الشرق الأوسط” الرسمية (3 يوليو/تموز 2020)، حمل بمضامينه جميع أوجه الإساءة والتجاوز على مقام ديني يعد المرجعية الأعلى في بلاد الرافدين، وينذر بأن الطرق الملتوية والمنحرفة والخاطئة للرياض لا يمكن أن تثمر أو تصل إلى نهايات إيجابية بتاتاً، خاصة في وقوف الصف العراقي بوجه بذور الفتنة، الساعية لفرضها سلطات السعودية بكل ما أوتيت من أدوات على طريق الدخول إلى بغداد، الأخيرة لايبدو أن باستطاعتها تحمّل ارتدادات الفتنة وانعكاساتها السلبية التي من شأنها التوجه بالبلاد نحو انحدار وانهيار لا يمكن تحملهما،،،

مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

الإساءة الأخيرة لصحيفة “الشرق الأوسط”، ضد المرجع الديني السيد علي السيستاني،  برسم كاريكاتوري يظهر المرجع وهو يحمل مقصا كبيرا ويحاول قطع سلسلة حديدية تربط بين عربتي قطار، الأولى ترمز للعراق والأخرى ترمز لسيادته، لا شك أنها إساءة مقيتة حرّكت الأطياف العراقية إلى الإدانة والاستنكار والرفض للهجوم الدنيء لبوق من أبواق الإعلام السعودي الرسمي على أعلى مكانة دينية في البلاد، ولاشك أنها تبلور تصوراً واضحاً للهجوم الرسمي في الرياض ضد بغداد، هجوم لم يكن وليد اللحظة إلا أنه يشي بالعمل الحثيث للسعودية من أجل إشعال العراق بأي وسيلة كانت، ويكشف عن خط ومسار طويل من التدخلات والانتهاكات التي تفتعلها سلطات الرياض بحق بغداد التي ترفض أطيافها التدخلات الخارجية، ولطالما كان هنالك مناكفات بين الجانبين وقطع للطريق التسلسل بكل أشكاله.

الرسم الذي جاء كإساءة فاضحة، حاولت الصحيفة الرسمية نفي أن تكون تقصد من خلف استهداف السيد السيستاني، وتعمّدت التخفي وراء إساءتها والإدعاء بأن المقصود هي إيران والتدخلات الخارجية في بلاد الرافدين، وهنا، حاولت أن تتهرب من فعلها لكنها وقعت بخطئ أكبر منه يفضح العديد من الأمور المتجذّرة في نفوس قائمة على مفاهيم الوهابية. بداية، الإستهداف الذي وجه ضد “الطائفة الشيعية” يحمل عيوب النظام السعودي المتغذّي من وهابية قبيحة في تعاملاتها مع جميع أطياف الأديان والمذاهب في العالم، وتخصص الاستهداف الممنهج ضد الشيعة، ولا يخلو ما افتلعته “الشرق الأوسط” عن سياقاته.

كما أنه ورغم محاولات الصحيفة التهرّب من فعلتها وبالتالي تبرئة المعنيين، إلا أنه معروف عن الرياض تميّزها وبجدارة بالإعلام الرسمي الناطق بلسان السلطات وتوجيهاته، وانعدام الحرية الإعلامية، إذ أن المعتقلات وغرف السجون تشهد على قضايا المعتقلين من أصحاب الرأي أكان بسبب تغريدة أم تعبير عن الرأي وإبداء المواقف في قضايا عامة أو خاصة، داخلية كانت أم خارجية، وهذا ما يؤكد أن كل ما يصدر عن الإعلام الرسمي لا يمكن أن يكون إلا بموافقة وتوجيه من النظام السياسي، وتحت رعايته وبما يخدم تحركاته وعلاقاته، وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن الإساءة التي أقدمت عليها الصحيفة جاءت بتوجيهات عليا من أجل تحريك نيران الفتنة المخمدة تحت رماد الأوضاع المتأزمة في العراق وعلاقاته الخارجية، خاصة مع الرفض وقطع دابر المحاولات الحثيثة لتموضع جديد للنظام السعودي على أراضيه، بعد أن أخمد الصف العراقي محاولات عديدة للفتنة التي كادت أن تقتلع الاستقرار وتميت كل إنجاز يحاول العراقيون إنجازه، وتحديدا بعد دحر التنظيمات الإرهابية ووأد الوهابية والإرهاب وقطع خطوط إمداده وانتشاره.

في مملكة الصمت، هناك، حيث الإعلام يتحرّك بتوجيهات وتصويب دائم من القيادة الرسمية، لايمكن أن يؤخذ تبرير الصحيفة للإساءة بما تمليه من ادعاءات ومزاعم، وقد فشلت بمحاولة الهروب إلى الأمام والتنصل من فعلتها وكأنها الأولى من نوعها، والتي جاءت برسم ساخر من قبل أمجد رسمي الذي يحمل الجنسية الاردنية، وبعد حملة استنكار وتنديد، ادعت “الشرق الأوسط”، تحت عنوان توضيح (4يوليو2020)  بأنها “تلتزم القواعد المهنية في تعاملها مع الدول والأشخاص والمرجعيات، تؤكد أن الرسم لم يقصد به على الإطلاق الإشارة إلى شخص آية الله علي السيستاني، وهو محل احترام وتقدير، ولم يستهدف الإساءة من قريب أو من بعيد إليه أو إلى شخص أو هيئة عراقية، بل قصدت به الإشارة إلى التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي”. وهذا الإلتفاف لا يمكن أن يجعل من البيان هالة لحماية الصحيفة والقيادة التي تتبعها بمنأى عن الانتقادات، لأن كل ما ينشر من أخبار وتقارير ومقالات وصور محسوبة بدقة كبيرة، ولايسمح في هذه المملكة التي تكمم الأفواه بسلاسل معدنية، أن تفصح المجال لخيال رسام أن يبتدع مخططاً ساخراً من مرجع ديني وأن يتم تمرير بصحيفة رسمية ذات توجه واضح، بغير قصد أو من دون تعمّد من إرسال رسائل، وهو الرسم الذي جاء استكمالاً لنهج طويل من الاستهداف السعودي للعراق.

في حديث خاص مع “مرآة الجزيرة”، يجزم الإعلامي والكاتب العراقي د.عبدالأمير العبودي، بأن “الإساءة ليست وليدة الساعة، بل هي عبارة عن تراكمات تاريخية في داخل النفس السعودية، وبفعل التأزيم الإعلامي والتوجيه التاريخي ضد شريحة الشيعة المسلمة، فإن من قام برسم الكاريكاتور، قام به لإرضاء أسياده”، مشددا على أنه لا يمكن أن يكون الرسم جاء من دون رضى الحكومة. وتساءل، ما الذي ستفعله الحكومة أو هل راضية أم غير راضية عن هذا النهج. ولأن الأمر قضي، نصح العبودي “الحكومة السعودية بأن تغيّر مناهجها الدراسية وأن تغيّر طريقة مخاطبتها للشارع وأن تغيّر تعاملها مع أتباع مذهب أهل البيت (ع)، كما عليها أن تتعامل بطريقة أفضل مع اللآخرين أياً كانوا”.

الإعلامي والمحلل السياسي، رأى في “الإساءة بأنها مسألة تاريخية، ليست موجهة إلى السيد أو المرجع، بل هي موجهة لمذهب بأكمله، مشيراً إلى انعدام نجاعة تبرير المسؤولين عنها، بأنها لم تكن تقصد السيد السيستاني، “فهم لم يكونوا موفقين عندما قالوا إنهم لا يعنوا السيد السيستاني وإنما عنوا السيد علي الخامنئي، وبهذا فقد زادوا الطينة بلة”. ويضيف أن ما حمله  الكاريكاتير، كانت تحمله سابقاً، الأعمدة والكلمات والمناشتات والأفلام الوثائقية السعودية، و”التي بثت أموراً أكثر إيلاماً للشيعة، لما احتوته من مسائل مقززة”، وقد قلل من أهمية الرسم الساخر مقارنة مع سابقاته من الانتهاكات التي ارتكبها النظام السعودي بحق الشيعة على وجه الخصوص، قائلاً “ما جاء في الكاريكاتير مع سابقاته يعتبر أمرا بسيطا، المسألة لاتتعلق، بالرسم بقدر ما تتعلق بالحملة التاريخية الموجهة ضد التشيّع، وقد حاولوا من خلاله أن يضعوا مشكلة كبيرة بين الفرقاء العراقيين على مستوى العقيدة والمذهب، وأن يضعوا إسفينا بين هذه التجمعات والشرائح، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا”.

الرأي الإعلامي العراقي، الذي يبلور ما يكادبه العراقيون على مراحل تاريخية متعددة ومتتالية من إساءات وجهتها الرياض وأدواتها لهم، يشير بشكل أو بآخر فحوى الاستهداف المتواصل الممارس من قبل النظام السعودي، خاصة أنه رغم المطالبات العراقية من أوساط شعبية ورسمية وإعلامية وسياسية ودينية بالإعتذار الرسمي على الإساءة، إلى أن الهروب كان بالتنصل من الجريمة الفكرية التي تهرّبت الجهات المعنية من تبنيها وبالتالي الاعتذار عنها. وهذا أمر غير مستغرب، خاصة وأن التاريخ الحديث يشهد على عدد الإساءات المتراكمة التي تعمدها الإعلامي الرسمي السعودي ضد العراق والمرجعية وفتواها، إذ سبق أن هاجمت الصحف الرسمية السعودية السيد السيستاني، وزجت باسمه في عام 2016 في لائحة اتهامات وجهتها السلطات إلى مجموعة الكفاءات العلمية التي أسمتها “خلية التجسس” وزعمت أنها تجسست لصالح إيران، وحينها، قالت الصحيفة عينها، إنن تم توجيه اتهامات للمعتقلين بالقضية بالتواصل مع السيد السيستاني. ولم تقف الهجمات عند هذا الحد، حيث أوكلت مهمة استهداف فتوى المرجعية العليا المتعلقة بالجهاد الكفائي، ومنها انتقلت إلى استهداف “الحشد الشعبي” وتعمّدت التجييش ضده بصورة متواصلة، لتعلن الرياض حربا طائفية غير عسكرية ضد العراق، وتخط تاريخاً طويلاً ومعمّقا ومتواصلاً من الاستهداف المتعمّد لبلاد الرافدين شعباً وقيادة دينية وقوى عسكرية دحرت التنظيمات الإرهابية التي لطالما دعمتها الرياض بصورة مباشرة وعلى الملأ.

إذا، مقيتة هي الذرائع التي تتخفى وراءها “السعودية” بإعلامها وأبواقها التحريضية، لإحداث الشرخ في العراق وإشعال الفتنة فيه، ضمن محاولاتها لإعادة التموضع من جديد ولعب دور في إشعال البلاد بصورة أو بأخرى، بما يخدم مصالحها التخريبية في المنطقة. تحاول الرياض الهروب إلى الأمام في انتهاكاتها ومسح آثارها من بغداد إلا أن بصماتها الطائفية والتخريبية باقية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى