آل سعود وغزوات هدم الهوية: أين تراث القطيف والأحساء؟

تعرضت المعالم التراثية في الجزيرة العربية للهدم الممنهج منذ استيلاء آل سعود على الحكم. وسنذكر فيما سيأتي غيضاً من فيض الأبنية التاريخية والدينية والمعالم الطبيعية التي قام آل سعود بهدمها تحت ذرائع عديدة غير مبررة،،،

مرآة الجزيرة ـ زينب فرحات

“من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له”، تختصر هذه المقولة العلاقة المقدسة التي تربط الشعوب بماضيها. ذلك أن إنتاج الشعوب الماضية سواء المادي أو الفكري يؤسّس لأنماط حياة الأجيال القادمة وبقدر ما تنهل هذه الأجيال من إبداعات الماضين بقدر ما تكون أمة متقدمة جديرة بالإستمرار. ولذلك فإن الدول التي تقدّس تراثها وتصونه تحظى بروح وطنية متينة، وبهوية ثقافية خاصة مصقلة بالإبداعات. من هنا يرى الكاتب حسين حموي في كتابه “الإتجاه القومي في مسرح عدنان مردم الشعري” أن “الجهل بالتراث يورّث التراخي بالدفاع عن الهوية أما المعرفة العميقة به تزيد الإنسان تمسكاً به وصموداً في الدفاع عنه بوجه المحاولات الرامية إلى زعزعة الثقة بوحدة هذه الأمة وتاريخها الناصع” (ص 184). والحال في المنطقة الشرقية في السعودية ينطبق على الإحتمال الأول إذ يتعرض تراث القطيف والأحساء لخطر الإندثار، ففي حين جرى هدم جزء كبير منها فإن ما تبقى في طريق الزوال.

يعرّف عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد تايلور(1832 – 1917)، مفهوم الثقافة في كتابه “الثقافة البدائية” بأنها: “ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع”. ومما يجدر الإشارة إليه في هذا السياق، العلاقة العميقة والمتجذرة بين الثقافة وتشكيل الهوية الجماعية. ذلك أن أي سهم يصيب جسد الثقافة سيحدث بما لا يدعو مجالاً للشك، اختلالاً جسيماً في الهوية الجماعية. فكيف إذ ما تعرضت ثقافة مجتمع ما إلى هدم ممنهج؟

ثمّة عدّة أسباب لهشاشة الهوية يلخّصها الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في كتاب الذاكرة، التاريخ، النسيان بثلاثة، السبب الأول هو “علاقتها الصعبة مع الزمان”، وهذه الصعوبة “تبرّر بالضبط اللجوء إلى الذاكرة بما هي عنصر مكون زمني للهوية على صلة بتقدير الحاضر وإسقاطه على المستقبل” (ص 137). الثاني هو “المواجهة مع الغير، الذي نشعر به كتهديد. النظر للآخر على أنه يشكل خطراً على هويتنا الخاصة بنا”. أما السبب الثالث فينطبق على حالة بلاد الحجاز ما قبل الإحتلال السعودي وهو “إرث العنف المؤسس”. يوضح ريكور هذا السبب بالقول أن ما “نحتفل به كأحداث مؤسسة هو عبارة عن أعمال عنيفة اكتسبت شرعيتها بعد وقوعها عن طريق دولة القانون. وتأتي هذه الشرعية بفعل أقدمية الأفعال العنيفة وتقادمها”. ولذلك نجد في كثير من الأحيان أن الأحداث التي تعني “للبعض المجد تعني للبعض الآخر المذلة وهكذا تخزّن في أرشيف الذاكرة الجماعية جروح حقيقية ورمزية”. بإختصار هذا جرح أهالي الجزيرة العربية في احتفال تأسيس “المملكة العربية السعودية”.

تعرضت المعالم التراثية في الجزيرة العربية للهدم الممنهج منذ استيلاء آل سعود على الحكم. وسنذكر فيما سيأتي غيضاً من فيض الأبنية التاريخية والدينية والمعالم الطبيعية التي قام آل سعود بهدمها تحت ذرائع عديدة غير مبررة.

أضرحة البقيع

هدم قبور البقيع مأساة تتجدد مرارتها على مرّ السنين

بعدما استولى آل سعود على مكّة المكرّمة، والمدينة المنوّرة وضواحيهما، عام 1344هـ، شرعوا بالتخطيط في كيفية هدم مراقد آل البيت (عليهم السلام) في البقيع. وقد ابتكروا حينئذ حيلة لإمتصاص غضب المسلمين المتوقع في الحجاز رفضاً لأعمالهم الإجرامية. فأعدوا استفتاءاً حول حرمة البناء على القبور وقد جال به قاضي قضاة الوهابيين سليمان بن بليهد مستفتياً علماء المدينة المنورة ليحصل في نهاية المطاف تحت ضغوط التهديد والوعيد على جواب يفيد بحرمة البناء على القبور.

قلعة القطيف

تقع هذه القلعة وسط مدينة القطيف، شرق البلاد. بنيت في القرن الثالث الميلادي على يد الساسانيين. بني داخل القلعة 11 مسجداً وقصر البلاط الملكي وقصور ضيافة بالإضافة إلى حظائر مواشي جميعها محاطة بسور منيع. وقد أقدمت سلطات آل سعود على إزالة القلعة في ثمانينات القرن العشرين بشكل تام بعد هدم تدريجي للمنازل والمباني استمر لسنوات.

حي المسوّرة

يعتبر حي المسوّرة أقدم أحياء منطقة العوامية في محافظة القطيف، إذ يرجع عمره لأربع قرون خلت ما يجعله معلماً ثقافياً جديراً بالعناية والتأهيل. يبلغ طول الحي 120 ألف متر ويضم 488 منزل تم بناؤهم من الأعمدة الخشبية والطين والحجر تفصل بينها أروقة طينية ضيّقة. لكن ذلك لم يشفع له ليكن بمنأى عن جرائم السلطات السعودية التي شنّت في 31 كانون الأول/ديسمبر 2017 عدوان عسكري تام على الحي حتى سوّته أرضاً بذريعة تحويل الحي إلى منطقة خدمات وإستثمارات.

ردم البحر

من الجرائم الفادحة التي ترتكبها سلطات آل سعود في المنطقة الشرقية، ردم البحر. بدأت عملية ردم بحر صفوى الذي يبلغ طوله 15 كلم وعرضه 5 كلم بين عامي 2002 و2009. يعرف هذا البحر بإحتوئه على ثروات طبيعية من شجر وغابات المنجروف (القرم) التي تؤمن وفرة الأسماك والروبيان في هذا الجزء من الخليج العربي. وبما أن المبررات جاهزة فقد اختارت لهذه الجريمة حجّة بناء قناة بين تاروت والقطيف. فضلاً عن أن بحر صفوى تعرض للتلوث بفعل تسليط مياه المجاري عليه من مضخة الصرف بصفوى ومضخة مجاري رأس تنورة.

تجريف بساتين النخيل

دأبت القوات السعودية على تجريف عشرات الهيكتارات الزراعية في العوامية بذريعة أن البساتين تضم مسلحين معارضين للنظام السعودي ومهربي أسلحة. يروي أهالي المنطقة استخدام القوات السعودية لجرافات مصفحة تقتلع أشجار النخيل والمغروسات في مشهد شبيه لتجريف قوات الإحتلال بساتين الزيتون في المدن الفلسطينية المحتلة كما يصفه الأهالي.

قصر السراج

بني قصر السراج ذات القيمية التاريخية والهندسية والفنية العالية، في فترة الحكم العثماني الأول عام 963هـ. جرى تأهيله عام 1363ه من قبل رجال أحسائيين ثم أزيل عام 1396ه رغم معارضة الأهالي، ليتم إنشاء مبنى محافظة الأحساء الذي انتقلت منه في ما بعد.

قصر قريمط

وفي الأحساء أيضاً جرى إزالة قصر قريمط في دار قرية البطالية دار إمارة الأحساء الذي كان قد بني في عهد الدولتين القرمطية والعيونية فقد أقدمت السلطات السعودية على هدمه وبناء مدرسة عليه بدلاً من العناية به لجعله معلماً سياحياً بارزاً.

أعمدة دوار السفينة

أزالت أمانة الأحساء في عام 2015 أعمدة دوار “السفينة” الواقع في الدائري المحاذي للمنطقة الزراعية وحي الأندلس وذلك بذريعة تحسين المرافق العامة “بما هو صالح للوطن والمواطن”. وقد سرت في ذلك الحين إشاعات تفيد بأن أبناء الطائفة الشيعية قد حوّلوا تلك الأعمدة إلى “رمز لعقيدتهم الوثنية” ما استوجب تدخل السلطات على عجالة لإزالة معبد المجوس!

إلى جانب عمليات الردم الممنهجة التي تمارسها سلطات آل سعود لمحو المعالم الأثرية والتاريخية في القطيف والأحساء، تعمد أيضاً إلى تشويه ومحاربة عقائد أبناء الطائفة الشيعية، وممارسة المضايقات أثناء إحيائهم للمناسبات الدينية. فمع بداية محرم حتى عاشره، من كل عام يحيي الشيعة عاشوراء وهي ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليهم السلام) مع جمع من آل بيته وأصحابه. لكن السلطات السعودية لا تدع هذه الأيام تمر دون إثارة الهلع والإضطرابات في المنطقة الشرقية لمنع الأهالي من إحياء المناسبة. تتخذ المضايقات أشكالاً عديدة كإستدعاءات الرواديد والخطباء وأصحاب المضائف بشكل يومي، في مختلف أنحاء المنطقة الشرقية. كما تشرع القوات السعودية بدون سابق إنذار في إقتحام الخيم العاشورائية والمضائف التي يستخدمها الأهالي لتوزيع الطعام على حب أهل البيت (عليهم السلام) وتجبرهم على توقيع تعهدات لعدم توزيع الطعام مرة أخرى.

تلتقي مع هذه الممارسات، محاولات حثيثة لإقصاء ومحو الثقافة الشيعية عبر تشويه أفكارهم وعقائدهم لخلق حالة من النزاع المستمر بينهم وبين الطائفة السنية. ومن أمثال ذلك، إصدار فتاوى معادية للشيعة من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، تضمين المناهج الدراسية السعودية لإنتقادات وتشهير بعقائد الشيعة بما في ذلك سلسة “التوحيد”. بالإضافة إلى اعتماد القضاة للسياسات التميزية التي ينتج عنها تجريم ممارسات دينية عادية لدى الشيعة. ثم بعد ذلك كله، يتم انتخاب السعودية عضواً في لجنة التراث العالمي بمنظمة اليونسكو!

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى