5 أعوام.. صمود يمانيالمشهد اليمنيالنشرةمقالات

خمس سنوات من الحرب على اليمن: الإيذان بحِقبة النصر وسط مأساة كبيرة

’’ قبل الحرب وقبل فرض الحصار الخانق على اليمن، كانت الولايات المتحدة الأميركية تستخدم اليمن كموقع تجارب لحرب الطائرات بدون طيار. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، نشطت القاعدة في اليمن بشكل غير مسبوق استفادت منه أميركا وآلتها الحربية العسكرية. من خلال حرب الطائرات بدون طيار، ساعدت الولايات المتحدة على تسهيل انتشار أكبر للقاعدة من خلال منح المنظمة الإرهابية التغطية الجوية والشرعية والتعاطف المحلي، وكل ذلك كي تتمكن من إطالة ذريعة تواجدها في اليمن،،

خاص مرآة الجزيرة ـ جوليا قاسم*


يصادفُ يوم 26 مارس 2020م ذكرى مرور خمسة أعوام على إطلاق التحالف الذي تقوده السعودية وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العدوانية والحصار الخانق لليمن. وبينما شهد العامين الأولين من هذه الحرب التدميرية الشرسة مكاسب عسكرية على الأرض لصالح التحالف، لم تتوقع السعودية ولا حلفاؤها بأن نصف عقد من القصف والحصار سيحقق توازنًا جديدًا للقوة في اليمن وسيؤدي إلى دفع القوة المُقاوِمة على أرضها نحو مستويات غير مسبوقة على كافة الأصعد، خصوصًا العسكرية والدبلوماسية والسياسية والاستراتيجية.

فقد تمكنت اليمن من تحقيق تقدمٍ مذهل في قدرات الدفاع الجوي التي أدخلتها في المعركة ضد مقاتلات التحالف وطائراته الحربية. وصلت خلال السنوات الخمس الماضية إلى مستويات غير مسبوقة، مع استغلال مخزونات بطاريات وصواريخ الدفاع الجوي السوفييتية القديمة بعد إعادة صيانتها وتعديلها وتطويرها محليًا.

هذا الإنجاز تمت تجربته في الميدان في ظلّ نجاح أنظمة الدفاع الجوي الذي بات أنصار الله يمتلكونه ويستخدمونه ضد طائرات التحالف.

قبل الحرب وقبل فرض الحصار الخانق على اليمن، كانت الولايات المتحدة الأميركية تستخدم اليمن كموقع تجارب لحرب الطائرات بدون طيار. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، نشطت القاعدة في اليمن بشكل غير مسبوق استفادت منه أميركا وآلتها الحربية العسكرية. من خلال حرب الطائرات بدون طيار، ساعدت الولايات المتحدة على تسهيل انتشار أكبر للقاعدة من خلال منح المنظمة الإرهابية التغطية الجوية والشرعية والتعاطف المحلي، وكل ذلك كي تتمكن من إطالة ذريعة تواجدها في اليمن.

وبالنظر أيضًا إلى أن الضربات الأمريكية ضد القاعدة لم تفعل شيئًا يذكر لتحدي وجود أو تهديد نفوذ التنظيم في البلاد، فمن الممكن القول بأن المنظمة احتفظت بل وحسنت وضعها على الأرض بدلًا من احتواءها. أما في حرب اليوم بات واضحًا للجميع بأن التحالف الأمريكي السعودي الإماراتي كوّن ما يمكن وصفه بالحلف الاستراتيجي مع من تزعم هذه الدول بأنه أحد خصومها، أي تنظيم القاعدة في شبة الجزيرة العربية.

الولايات المتحدة وبدلًا من التفكير في التنسيق مع العدو الحقيقي للقاعدة – أنصار الله – والذي كان يقاتل وجود التنظيم في جميع المحافظات اليمنية حتى قبل شهرين من إطلاق السعودية حربها على اليمن، قامت بتجاوز الإعتبارات السابقة التي وضعتها لمواجهة من تسميهم بأعدائها في المنطقة، وانتقلت إلى مواجهة محور المقاومة بجميع أقطابه، تاركةً خلفها الحرب ضد القاعدة التي باتت اليوم صديقة حلفاءها.

بعد فترة وجيزة من بداية الحرب بقيادة السعودية على اليمن في عام 2015، استخدم التحالف تكتيكات حرب الطائرات الأمريكية بدون طيار ضد حركة أنصار الله، أي بعد 6 أشهر من الثورة الشعبية في سبتمبر 2014م ضد نظام هادي المدعوم من السعودية.

النجاحات التي حققها الجيش اليمني مدعومًا باللجان الشعبية تُرجمت على أرض الواقع ضد الماكنة الحربية الجوية للتحالف بعد تفعيل وتطوير منظومات فاطر-1 وثاقب بأنواعها الثلاث والتي تمكنت من إسقاط طائرات حربية أمريكية الصنع من طراز F-16 و F-15 بالإضافة إلى مقاتلات أخرى مثل (تورنادو وتايفون) فضلًا عن عدد من الطائرات بدون طيار نوع إم كيو 9 رايبر وإم كيو 1 برادتور الأمريكية، ودرونات Wing loong و CH-4 الصينية. ذلك بالإضافة إلى مروحيات الأباتشي، التي أسقط أولها في مايو 2015، وفقًا لوكالات أنباء يمنية، أي بعد أقل من شهرين على بدء حملة القصف السعودية. لم يتمكن اليمني من القيام بذلك عبر قدرات غير متمرس عليها، أو بواسطة أسلحة إيرانية كما يروج له في وسائل الإعلام الغربية، بل عبر إعادة تعديل دقيق للغاية للمخزونات السوفيتية القديمة وللمواصفات الديناميكية الحرارية وعبر تطوير تلك الأسلحة.

نجاح هذه الدفاعات الجوية يعني بأن الطائرات الحربية السعودية ستبقى بعيدًا عن أجواء صنعاء العاصمة. لكن ولسوء الحظ، حوّل التحالف العدواني هجماته نحو المدنيين. فوفقًا لتقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد تسبب التحالف السعودي الأمريكي في العام الماضي فقط، بقتل حوالي 131000 مدني بطريقة غير مباشرة كوباء الكوليرا والتجويع وغير ذلك من آثار الحصار المفروض على الحديدة، فضلًا عن قتل 102000 مدني نتيجة الأعمال الحربية المباشرة. ومع خسارة السعودية للمزيد من المناطق التي تسيطر عليها في اليمن، من المتوقع أن ترتفع المذابح ضد المدنيين، سواء المباشرة أو غير المباشرة، وستتركز بشكل خاص في المناطق ذات الأهمية الاقتصادية العالية، مثل الحديدة، أو عبر معاقبة المناطق التي باتت على مقربة من التخلص من النفوذ السعودي، مثل مأرب.

اقتصاديًا:

جبهة أخرى كانت المقاومة اليمنية تقاتل فيها بضراوة، كانت الجبهة الاقتصادية. وبما أن التحالف كان مصممًا على شلّ اقتصاد اليمن، فقد كان ردّ القوات اليمنية كبيراً وكبّد العدوان خسائر فادحة بلغت ذروتها في هجوم بقيق وخريص في سبتمبر 2019 على منشآت أرامكو السعودية، مما أدى إلى خفض ما يقرب من نصف إنتاج الخام الذي تصدره المملكة نتيجة الهجوم. كما تم تكرار تلك الهجمات مرة أخرى مع ضربات فبراير 2020 على المنشآت النفطية في ينبع، والتي يرجح بأنه تم اعتراضها، إلا أنها استمرت في دفع الحواجز التي تواجهها اليمن اقتصاديًا.

الحرب الاقتصادية المستمرة ضد الشعب اليمني، بالإضافة إلى الحملة العسكرية للتحالف، كانت من أبرز المسائل في هذه السنوات وشمل ذلك إغلاق مطار صنعاء الدولي منذ أغسطس 2016م، وحظر الوقود والواردات الأساسية من الدخول إلى الحديدة، ومؤخرًا قطع كابل فالكون تحت سطح البحر الذي عطّل معظم خدمات الإنترنت في صنعاء والمحافظات المجاورة لها في يناير، فضلًا عن حرمان المدنيين من الوقود والغذاء والإمدادات الأساسية وكذلك من عائدات تصدير النفط التي تستحوذ عليها حكومة هادي في الوقت الذي شعب اليمن في أمس الحاجة إليها. كل ذلك وأكثر هو السبب الرئيسي للمجاعة التي تهدد حياة ما يقارب 10 ملايين شخص.

إقليميًا:

في حين تراجعت التحالف السعودي منذ يوليو وأغسطس 2015 على الأرض سيما في تلك المناطق التي تقدم فيها سابقًا، أصبحت جهود القوات اليمنية وتقدمها عسكريًا على الأرض أقوى وأكثر تعقيدًا ونجاحًا من أي وقت مضى. كما أن محاولات السعودية لكسر التقدم لم تعد ناجحة كما كانت عليه في عام 2015.

الانتصارات الأخيرة في الجوف والجهود التي تبذل للتقدم نحو مأرب هي شهادة أخرى على النجاح الكبير الذي تكللت به جهود المقاومة الشعبية في سبيل التحرير الكامل، خاصة في تلك المناطق التي غستولى عليها التحالف منذ 2015م. وبالتالي، فإنَّ هذه القوة المتجددة التي ساعدت على تحرير كامل أراضي الجوف ستكون حتمًا أكثر فاعلية في عملية تحرير مأرب، وستمهد الطريق لاستمرار التقدم بنجاح وقوة.

خلال العامين الماضيين، أحبطت جهود أنصار الله في نجران وجيزان الهجمات السعودية وكشفت عن ارتفاع كبير في مستوى تطور عمليات أنصار الله ضد المرتزقة المدعومين من الجيش السعودي. وذلك يمكن اثباته من خلال بدء العديد من حلفاء السعودية في سحب مرتزقتهم، مثل السودان، بالإضافة إلى تغيير مسار عملياتهم العسكرية بشكل كبير من ناحية الأهداف.

لقد أنتجت اليمن من خلال تلك التجارب والمحن لنفسها رؤية وطنية متكاملة، تم الكشف عنها في أبريل 2018م، ركزت فيها على سيادة القانون والحكم العادل ومحاربة الفساد.

وقد شدّدت هذه الرؤية أيضًا على التصدي للروايات الكاذبة حول اليمن. الاستنتاج الاختزالي بأن اليمنيين هم فقط “في حالة حرب مع أنفسهم”، لا يحجب الديناميكيات الجيوسياسية وواقع العدوان فحسب، بل هو أيضًا إسقاط يصف بدقة وضع البلد تحت العدوان. لقد كان ذلك بعد عام 2017 تحديدًا عندما شنَّ محمد بن سلمان انقلابًا داخليًا لتعزيز سلطته.

إن تحالف العدوان وحلفائه منقسمون اليوم أكثر من أي وقت مضى. حيث تأجج حرب داخلية جديدة داخل الأسرة السعودية. فالجولة الجديدة لحملات بن سلمان القمعية والاعتقالات ستزيد من تعقيد قيادة أسرة آل سعود لهذه الحرب الخارجية التي تشن منذ خمس سنوات. حتى مرتزقتهم في الجنوب، الذين اتحدوا ذات مرة لطرد أنصار الله، منشغلون اليوم في الاقتتال الداخلي، أي بين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات وقوات هادي الموالية للسعودية على خلفية محاولة كل منهما بسط نفوذه في الجنوب.

بعد أن كشفت السعودية عن رؤيتها 2030 في غضون عام من حصارها لليمن، كشف أنصار الله عن إستراتيجيتهم للرؤية الوطنية في أبريل 2018. الخطة السعودية عبارة عن خطة تقشف بينما كشفت خطة اليمنيين النقاب عن تحول اجتماعي واقتصادي وسياسي كامل لبناء المجتمع، وتضمنت إعطاء الأولوية للرعاية الصحية والتعليم للجميع وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد، ورفع مستوى المرأة وتمكينها في جميع قطاعات المجتمع.

أخيرًا، ينبؤ غياب أي رؤية أو إستراتيجية أو حتى أخلاقيات للعدوان عن خسارته في هذه الحرب وبالتالي يجب على اليمن أن يواصل حركة البناء والدفاع بينما تواصل الطائرات السعودية نشر الدمار، وكما قال الرئيس الراحل لحكومة الإنقاذ الوطني، صالح الصماد: “يد تحمي ويد تبني”.


*صحافية مستقلة

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى