المثقف المشروخ

إن المثقف المحلي -ولاشك- مصاب بوباء منتشر شمل الجميع، إنه مريضٌ مِلءَ رئتيه و دمِه، لا تجده إلا متناقضا أو لزجا أو متجردا أو فقيها أو مكتئبا! يُنشِد للحرية و يَنشُدها في السمينارات و المسارح، يهتف للكرامة و الاستقلال و يملأ الأوراق بالمجازات و الإيقاعات و الشيفرات التي ترمز لحرية الإنسان و انطلاقه و مساواته بجميع أقرانه.. و حين تنغلق الدواوين أو تنتهي العروض الأدائية أو الأماسي.. تجده إنسانا خاضعا و خانعا للاستبداد و مشرعنا للموازين المختلة و مباركا للظلم أو صامتا عنه .

يلهث عطِشاً وراء المواكب و المناصب رافعا عقيرته بشعارات المستبد المستهلكة و يركب كل موجة ليغازل السلطة و التيار العام و يروج لنفسه عن طريق ترويج إكليشيهات أخلاقية فارغة و رجعية، و لكنه يظل -مع هذا- يستدعي على الدوام حكايات تاريخية عن التمرد و التحرر و امتلاك الناس لمصائرهم و يقدس هذه الحكايات و يجترها و يحلم في نومه أنه يحمل بندقية إلى جانب القائد تشي جيفارا أو يلبس قطنا من صنع يديه و يمشي في حاشية المعلم غاندي!! إن هذا المثقف المحلي نسخة مكررة من المثقف العربي المشروخ منذ ستين عاما من التقلبات و الأحزان و انعدام الرؤية و صناعة الحلم و فبركة الحلم و انهيار الحلم .

بين الصرخات التلقائية و الصرخات الموجهة و الأفراح بأمجاد مضخمة و مفتعلة بنشوة متطرفة.. المثقف الذي اضطر إلى التأقلم عن طريق مرونة بالغة في المشاعر و المواقف، فحسب معادلات الأحلاف السياسيين و اختلافها و تبدلا و تناقضها يوجه هو أحلامه و أشعاره و هتافه و نظرياته.. يتضامن مع القضايا الإنسانية و الثورية بحسب الغجرافيا أو حسبما ترى القيادة أو حسب مصالح الحلف! إن المثقف العربي المشروخ هو أيضا نسخة مكررة من المثقف الأوروبي الذي شهد انهيار كامل لثقافة و حضارة و مجتمع إنساني قائم بالزحف العسكري الأعمى في حرب شاملة لم يعرف أمواتها و لا يعرف أحياؤها كيف بدأت و لماذا بدأت و ماذا يدور برأس صناعها الطموحين .

ذلك الجيل الأوروبي من المثقفين كان أول جيل يقطع علاقة المثقف بالجماهير، انعزل و انهارت كل علاقة له بالواقع و صرخ رافضا إياه و لكن من خلال ثورة في مناهج الأدب و نظريات الفن داخل دوائر النخب.. ذلك الجيل من المثقفين.. جاهر بالاستسلام و عانقه و مجّده و عسانا بالنظر للظروف الموضوعية أن نلتمس له عذرا .

كل تلك الأجيال شهدَتْ تمزق الحلم و تناقض الواقع و الضباب أمام كل أفق، فكانت النتيجة غالبا مشاريع مخفقة و إنتاج هزيل. كانت إما متوائمة مع اليأس أو متوائمة مع السلطة .

الفرصة الإلهية لجيل جديد من المثقفين يشم هواء تلقائيا و يفكر ببديهة نقية هي الربيع العربي.. ربيع الكرامة و الثأر و الاستفاقة.. الاكتشاف الذي جاء متأخرا جدا بأن الشارع بساحته و ميدانه و حقله و حرمه الجامعي هو منبع الكرامة و الحلم و هو المعلم و هو القضية .

بأن العدو هو كل من يبيع عليّ رغيفي الذي خبزته و بيتي الذي بنَــتـْــه يداي و ليس بالضرورة أن يكون أشقرا غازيا ذا خطط شيطانية.. هذا النوع من المثقفين هو الذي يقدّر قيمة الشعوب و يمجد تضحياتها في الوقت الذي يخاصم السلطة في كل مكان و بأي شكل.. السلطة كمفهوم و السلطة كواقع.. يقول محمود درويش: يا هيروشيما العاشق العربي.. أمريكا هي الطاعون و الطاعون أمريكا، و أقول له النور و الخلود لروحك يا محمود، كلهم طواعين !!

محمود الشرقاوي

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى