الرئيسية - مقالات وأراء - مقالات - السعودية في قفص الاتهام في مقتل خاشقجي
علي آل غراش

السعودية في قفص الاتهام في مقتل خاشقجي

علي ال غراش 

‏من جديد تعود قضية جريمة قتل الصحافي والإعلامي جمال خاشقجي لتتصدر أهم الأحداث في العالم، ويعود معه الكابوس والشبح المخيف الذي يهدد أركان نظام الرياض، وذلك بعد نشر تقرير أممي يثبت وقوع الجريمة بالأدلة القطعية، والأكثر أنه يوجه الاتهام بشكل مباشر للنظام وكبار المسؤولين في السعودية ويشير بشكل صريح لتورط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ويحث التقرير دول العالم لفتح تحقيق مع ولي العهد السعودي، وفرض عقوبات وحجز لأصول وممتلكات بن سلمان في الخارج.

التقرير الأممي هو الأقوى رغم انه غير ملزم، وهو ثاني تقرير يشير بشكل مباشر وبالاسم لتورط ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث صوت الكونغرس الأمريكي في كانون الأول/ديسمبر 2018 على مشروع قرار يحمل بن سلمان مسؤولية ارتكاب جريمة قتل خاشقجي، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الجريمة.

جمال خاشقجي المولود في المدينة المنورة عام 1958 أصبح قضية تشغل الرأي العالمي وتقلق النظام السعودي وتهدد مستقبل ولي العهد السعودي، منذ دخوله إلى مبنى قنصلية السعودية في اسطنبول عند الساعة الواحدة بعد الظهر في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الماضي للحصول على بعض الأوراق الرسمية لإتمام زواجه من خطيبته خديجة جنكيز، التي كانت تنتظره خارج القنصلية، ولكنه لم يخرج، وأُعلمت السلطات التركية باختفائه. حيث تعرض بعد دخوله بدقائق لعملية اغتيال بطريقة وحشية خنق وتقطيع لجسده بالمنشار – على أيدي فرقة أمنية استخباراتية تعمل بإشراف مباشر من مكتب ولي العهد السعودي – واخفاء جثته. عملية تم الاعداد والتخطيط لها مسبقا وتوفير كافة احتياجات الدعم الحكومي، وذلك حسب تقرير الأمم المتحدة والاستخبارات الأمريكية والكونغرس الامريكي بالإضافة للمخابرات التركية التي نشرت تفاصيل العملية، وتفاعل وسائل الإعلام العالمية مع القضية المثيرة وبالخصوص التركية والأمريكية كجريدة “واشنطن بوست” وقد جعلت كشف الحقيقة هدفا لها، لأن جمال كان يكتب فيها فترة اغتياله.

تحولت قضية اختفاء وقتل جمال خاشقجي إلى قضية رأي عالمية بعد قيام تركيا بنشر أدلة حول حدوثها، لأنها أول عملية تصفية مواطن داخل قنصلية بلاده بتلك البشاعة والوحشية على أيدي فرق متخصصة رسمية تم إرسالها من الرياض بعد تخطيط معد مسبقا. ومع تقديم المزيد من الأدلة القطعية حول الجريمة وتفاعل العالم معها اعتراف النظام السعودي بذلك مجبرا، بعد محاولات من الكذب والنكران أمام الأدلة التي تقدمها تركيا.

قضية قتل الصحافي جمال خاشقجي، فضحت السلطات السعودية أمام الرأي العالمي، ولم تجد مخرجا بعد فشل كل محاولات الكذب والتزييف للحقائق والتستر على القتلة المجرمين إلا الاعتراف بها، التي وصفها الرئيس الأمريكي ترامب صديق العائلة الحاكمة في السعودية وأشد المدافعين عنها لأجل ابتزازها “إنها أغبى عملية استخباراتية في التاريخ”. فيما الاستخبارات الأمريكية ومجلس الشيوخ حملا ولي العهد مسؤولية جريمة قتل خاشقجي.

انها جريمة أدت إلى ترنح أركان الحكم في السعودية، وجعلت سمعته في القاع في كل مكان في الغرب والدول العربية وغيرها، وحرقت كل ما بذله النظام من مال للدعاية والعلاقات العامة تلميع سمعته، ولم تستطع الماكنة الإعلامية السعودية الضخمة الصمود أمام الحقائق.

خطورة التقرير الأممي

تقرير أغنس كالامار المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالإعدامات خارج نطاق القضاء أو التعسفية، أعاد الحياة لقضية خاشقجي رغم عدم الكشف عن مكان جثته لغاية اليوم، وذلك للوصول للحقيقة وتحقيق العدالة بمحاسبة المجرمين القتلة ومن يقف خلفهم وهو المهم في ظل وضوح وفضح القتلة بالأدلة الموثقة. تقرير يدعو لفتح ملف الجريمة على أساس انها جريمة دولية وهناك جناة ارتكبوا جريمة قتل خارج السعودية ما يمثل انتهاكا لقوانين الأمم المتحدة.

التقرير الأممي يتكون أكثر من 100 صفحة وفيه توصيات عن وجود أدلة ثابتة وكافية تربط مسؤولية ولي العهد السعودي بالجريمة. والمثير في التقرير انه يثبت وقوع الجريمة، ويطالب بمحاسبة الجناة ومحاكمتهم في محاكمة دولية، والتحقيق مع ولي العهد السعودي كمتهم رئيسي ومصادرة أصوله وممتلكاته في الخارج.

أدلة موثقة

أورد التقرير الأممي ست مواد في القانون الدولي تم انتهاكها: حظر الحرمان التعسفي من الحياة، وهو مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي؛ وحظر استخدام القوة خارج الحدود الإقليمية على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة؛ وشرط أن تستخدم الدولُ البعثاتِ القنصليةَ لأغراض رسمية؛ وحظر التعذيب بموجب أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها المملكة العربية السعودية؛ وحظر الاختفاء القسري. كما يضيف إلى ذلك “في قتلها لصحافي، ارتكبت دولة المملكة العربية السعودية عملا لا يتفق مع مبدأ أساسي من مبادئ الأمم المتحدة، ألا وهو حماية حرية التعبير”.

وقالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالإعدامات التعسفية السيدة كالامار إن “وجود أدلة موثوق بها تستدعي المزيد من التحقيق” بشأن المسؤولية الفردية للمسؤولين السعوديين رفيعي المستوى، بما في ذلك مسؤولية ولي العهد.

وقالت أيضا إن الصحافي السعودي “جمال خاشقجي كان ضحية لعملية إعدام خارج نطاق القضاء نفذت مع سبق الإصرار” وإن “الدولة السعودية تتحمل المسؤولية” عن ذلك. وجاء في التقرير: أن “موظفي الدولة السعوديين قد تصرفوا تحت غطاء وضعيتهم الرسمية واستخدموا وسائل الدولة لإعدام السيد خاشقجي”. وإن “مقتل خاشقجي كان نتيجة لتخطيط دقيق تضمن تنسيقا واسعا وموارد بشرية ومالية كبيرة. وقد تم الإشراف عليه وتخطيطه واعتماده من قبل مسؤولين رفيعي المستوى. لقد كان متعمدا”.

وهذا الكلام للمقررة الأممية يؤكد على استحالة وقوع هذه الجريمة الشنيعة بدون علم مسبق وتخطيط من كبار المسؤولين في الدولة التي قدمت كافة الوسائل والإمكانات للدولة المطارات والطائرات والأموال والدعم من السفارات والإعلام وغيرها، فإذا السلطات السعودية لا تعلم فالمصيبة أعظم.

السلطات السعودية رفضت ما جاء هذا التقرير واعتبرته متناقضا ويقدم ادعاءات لا أساس لها من الصحة ويطعن في مصداقيتها، وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير “التقرير يحاول المساس بقيادة المملكة” مؤكدا “سيادة المملكة أمر لا مساومة فيه”.

وحول تأثير هذا التقرير وامكانية فتح تحقيق دولي، أعلن ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، الأربعاء، أن الأمم المتحدة لا يمكنها فتح تحقيق جنائي بمقتل الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، دون تفويض من الدول الأعضاء أو قرار من مجلس الأمن الدولي.

زلزال للنظام واحراج للدول الداعمة له

رغم ان هذا التقرير غير ملزم إلا انه يمثل ضربة لطموح ولي العهد السعودي ويهز أركان الحكومة السعودية، ويفضحها أمام العالم كونها دولة استبدادية لا تحترم القوانين ومنها حقوق الإنسان وأنها دولة دموية. ويأتي هذا التقرير في مرحلة حساسة للرياض التي تعاني من أزمات عديدة داخلية ومنها سجل حقوق الإنسان وقيامها باعتقالات تعسفية وممارسة التعذيب ضد النشطاء والحقوقيين من الرجال والنساء والأطفال، واعدام المئات بسبب المشاركة في المظاهرات والتعبير عن الرأي. وهناك أزمات خارجية كفشل الرياض في حسم الحرب التي شنتها ضد اليمن منذ أربع سنوات، والتي تحولت إلى كارثة إنسانية؛ تدمير وحصار وقتل، ونار حرب تتسع دائرتها بوصول صواريخ إلى عمق الأراضي السعودية واستهداف مواقع حساسة ومهمة، حرب عدوانية عبثية أحرجت الدول التي تدعم السعودية والتي تقوم ببيعها الأسلحة. حيث أصدرت محكمة بريطانية حكما بعدم شرعية تسليح السعودية، والمطالبة بمنع بيعها الأسلحة. بالإضافة إلى الأزمة السياسية والحصار ضد قطر، ودعم صفقة القرن للتطبيع مع الكيان الصهيوني، والأزمة مع إيران التي تشهد تصعيدا خطيرا مع فرض حصار هو في الحقيقة حرب اقتصادية بقيادة أمريكية وتأييد سعودي واضح.

وأخيرا هل سيؤدي نشر التقرير الأممي لفتح ملف تحقيق مقتل خاشقجي وتحويل قضيته إلى قضية قتل خارج نطاق القانون وانتهاك لاتفاقيات العلاقات القنصلية ولمواثيق الأمم المتحدة لتحقيق العدالة، ام سيقوم الرئيس الأمريكي ترامب بحماية الرياض ودعم محمد بن سلمان من خلال الحصول على المزيد من الأموال وبيع الأسلحة، كعملية ابتزاز لتكون أكبر عملية ابتزاز عالمية للسكوت على عملية قتل؟

القدس العربي

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك