الرئيسية - النشرة - الشيخ النمر ملحمة الكبرياء والتشبث بالبطولة

الشيخ النمر ملحمة الكبرياء والتشبث بالبطولة

لقد تحولت ملحمة الشيخ النمر الى مسيرة ثورية تمتد مع الزمن. وتحول الشيخ النمر الى رمز للثورة الأصيلة الهادفة الى اقتلاع شجرة الظلم والعدوان، بل لقد استوعبت هذه الملحمة كل دروس الرسالة السماوية عبر التاريخ، والسبب في ذلك بسيط وواضح جداً، وهو أن قلم الصراع هو أفضل قلم يكتب بحبر الدم على لوح الزمن ما لا يمكن للمتغيرات أن تصفيها أو أن تنال منها شيئاً،،،

جواد عبد الوهاب*

لماذا قتل الشيخ النمر  (رض)؟ ولماذا أصرّ على موقفه في داخل المحكمة عندما طلب منه القاضي التنازل عن تصريحاته مقابل تخفيف الحكم عليه؟ 

إن فلسفة الشيخ النمر لا تتلخص في أنه علّم الناس كيف ينطقون بكلمة الحق، وإنما أثار في أذهانهم إنه إنما قتل ليتحمل بعض ذوي الضمائر الحية رسالتهم، ويرتفع مستوى وعي الناس ومستوى إرادتهم، الى قمة الايمان وقمة الالتزام، خاصة أن دور الثقافة يمثل جزء من فلسفة شهادة الشيخ النمر.. وهي مسؤولية ملقاة على عاتق الباقين.

الشيخ النمر اراد أن يعلمنا وبالدم أنه ليس فقط في أيام الامام الحسين (ع) المسؤولية كانت ملقاة على عاتق زينب الكبرى، والامام زين العابدين (ع) وإنما هذه المسؤولية باقية الى يومنا هذا. أراد أن يعلمنا أن  الامام الحسين (ع) لايزال حياً متجسداً في من يحمل رسالته، ولا يزال يزيد طاغوتاً متمثلاً في فكره الفاسد، بل في من يمثل دوره من الطغاة،

وقضية الشيخ النمر لا تزال تحمل آفاقاً لم تُكشف بعد، ولاتزال فيها أبعاد لم يعرفها الناس إذ يكفي فقط معرفة أن سماحته على حق في مواقفه، من خلال كلماته، من خلال علمه، واذا اكتشفت هذه الآفاق فأنها بقدرها سوف تعطي زخماً لقضية النضال والجهاد وقول كلمة الحق، وتعطي لهذا التيار المبارك دفعات جديدة من الوعي وتحمل المسؤولية.

لقد تحولت ملحمة الشيخ النمر الى مسيرة ثورية تمتد مع الزمن. وتحول الشيخ النمر الى رمز للثورة الأصيلة الهادفة الى اقتلاع شجرة الظلم والعدوان، بل لقد استوعبت هذه الملحمة كل دروس الرسالة السماوية عبر التاريخ، والسبب في ذلك بسيط وواضح جداً، وهو أن قلم الصراع هو أفضل قلم يكتب بحبر الدم على لوح الزمن ما لا يمكن للمتغيرات أن تصفيها أو أن تنال منها شيئاً.

إن قضية الشيخ النمر ليست مدرسة للبطولة الثورية فقط، وانما هي أيضاً مدرسة لبطولة الانسان حينما يخرج من ذاته، من شح نفسه من حدوده الضيقة ليملأ الدنيا شجاعة وبطولة.. الشيخ النمر مثل وبالدم مدرسة الوفاء، مدرسة التبتل والتضرع، مدرسة الحب والتضحية، مدرسة العلم والتقوى، مدرسة الجهاد والاستشهاد.

وبالتالي فان قضية الشيخ النمر تمثل رمز لكل قضية حيث تحولت الى مسيرة. إذ أننا حينما نجدد ذكرى استشهاده (رض)، فاننا نتذكر ايضاً ملحمة مسلم بن عقيل في الكوفة، وملحمة الحسين الشهيد، صاحب فخ بين مكة والمدينة، وجهاد الابطال من أبناء الامام الحسين، وأبناء زيد بن علي بن الحسين، وبالتالي فاننا نتذكر مكابدة كل الثائرين عبر تاريخنا المليء بدم الثوار، والمضوّع بأجساد شهدائنا الطاهرة.  وتقديرنا وتكريمنا لهذه القضية، انما هو تكريم لكل ثورة رسالية أصيلة، ولكل دم زكي طاهر أريق في أية ثورة.

ولذلك فاننا في ذكرى استشهاد الشيخ النمر نعزي أمتنا الاسلامية تعزية تحمل في طياتها البشارة بالنصر، فبكاونا ليس وسيلة للعجز. وحزننا ليس يأساً وأداء للانطواء إنما هو أمل يفتح لنا الطريق واسعاً، ويسد أمامنا أبواب الخزي والتخاذل والغرور والخداع الذاتي. وتجديدنا لذكرى الشهداء ليس طريقاً للتعويض بهم عن شهادتنا وعن تضحياتنا.. ان بكاءنا تنديد بالظلم، وعويلنا وصراخنا انما هو صراخ الضمير الحر والحي النابض في وجدان أمنتا، وصراخ النفس الابية ضد العبودية والطغيان. وبالتالي هو وسيلتنا للتعبير عن سخطنا وأعتراضنا المغلف بالحزن والاسى على الفساد المنتشر في أنحاء الارض.. وتكريمنا للشهداء معراجنا الى ذلك المستوى الاسمى الذي بلغه هؤلاء الابرار.

انهم مدرّسونا، نتعلم منهم كيف ننتصر على ذواتنا، ونصل الى مستوى آبائنا وأسلافنا الذين ذهبوا شهداء في طريق الحق.

خط الشهادة كان أبداً قاطرة التقدم للامم، وطريقاً لتبديد سبات الانسان، وخروجاً عن الجمود، وانطلاقاً نحو بناء المستقبل، بينما كان خط الانظمة الفاسدة خطاً مضاداً لهذه الحركة التقدمية عبر التاريخ، ومن هنا فإن هناك ثقافتين تتراوحان في الحركة الاجتماعية.

ثقافة الانظمة التي تتمحور حول شرعية المؤسسات الجامدة الرجعية القائمة، وثقافة الشعوب.. ثقافة الثورة التي تعطي الشرعية لبناء المستقبل. ثقافة الشهادة في تاريخنا الاسلامي تؤكد شرعية الثورة، وتعطينا بداية للعمل الثوري كون الحق لا يبتدأ مرحلته بالاستسلام والسكوت، والذل والخنوع، وانما يبدأ بالرفض.

إن قضية الشيخ النمر ليست ملحمة للبطولة فقط، وانما هي مدرسة لرسالة كلها بما فيها البطولة وبما فيها سائر عناوين الحياة. لأنها دخلت الوعي، وباتت ركيزة ثقافية قوية استقرت في عمق الانسان، لأن قيمة شهادة الشيخ وملحمتها الثورية ليست فقط في انها كانت ثورة، بل لانها ثورة في ثورة، وتغيير وتصحيح لمسار الثورات وحركات التغيير.

الشيخ النمر انتهج طريق يعلم علم اليقين أن ثمنه قد تكون حياته ، ولذلك فإن تحركه لم يكن طلباً للمنصب. ولا بحثاً عن سلطان ولا من أجل العلو في الارض، وهو الذي كان يكرر قوله تعالى:  (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) القصص (83).

اننا يجب أن نحيي ذكرى الشهيد النمر، لتكون حركته المباركة نوراً على مر كل السنين، ولتكون بطولته نبراساً مضيئاً ، ولتشكل محاولة فهم منا لحركته وثورته ، ذلك أننا لا نستطيع أن نفهم حركة وثورة الشهيد إلا بعد أن نفهم شبكات المؤامرات التي تحيط بنا، لان هذه الظروف هي التي توضح لنا كيف قام الشهيد بحركته، كما أننا لا نستطيع ان نكسر الطوق المحيط بنا إلا اذا عرفنا كيفية تجديد هذه الحركة في واقعنا.

اننا عندما نتحدث عن الشهيد النمر فاننا نتحدث عن ملحمة كبرياء عظيمة وتشبث اسطوري بالبطولة . ولذلك فان هذا الحديث سيمتد مع الزمان الى كل عصر وكل مرحلة، ويمتد مع المكان الى كل موقع وكل مصر، لانه حديث الانسان بما له من تحدي وإرادة، والانسان بارادته وبايمانه ويقينه يتحدى كل ضعف وعجز في وجوده أو في كيان الآخرين.


*كاتب صحفي من البحرين

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك