الرئيسية - النشرة - الباحث المغربي كمال الغزالي يكتب في ذكرى الشهيد النمر: هكذا أعدموني!

الباحث المغربي كمال الغزالي يكتب في ذكرى الشهيد النمر: هكذا أعدموني!

كمال الغزالي

الشهيد الشيخ نمر باقر النمر من أبرز العلماء العاملين في “السعودية” وأحد أبرز المعارضين للسياسة التجويعية والتهميش المناطقي الذي تشهده “السعودية” وخصوصا المنطقة الشرقية التي تعرف بوفرة الموارد الطبيعية وخصوصا منها النفط , وأما ما اشتهر منها من الزراعة فمدينة العوامية عُرفت بوفرة مياهها وكثرة عيونها النابعة التي تزيد عن العشرين عيناً منتشرة بجميع نواحي مدينة العوامية وبوفرة الأراضي الخصبة..

فكيف يُعقل بمنطقة غنية بالنفط أن  يعيش أهلها التهميش الاجتماعي والاقتصادي والتفقير الممنهج بسبب الخلفية الطائفية التي ينهجها أمراء المناطق والنظام السياسي في الجزيرة العربية, فالشيخ نمر باقر النمر لم يكن بدعاً من الأمر إذ كان يتصدى لهذه السياسة التفقيرية الهادفة إلى إخلاء المنطقة من المعارضين السياسيين لخطط الحكومة السعودية لتحل كبريات الشركات في هذه المنطقة من اجل العمل في عملية التنقيب عن النفط لضمان عدم معارضة سكان المنطقة الشرقية عموما لتلك الإجراءات.

الشيخ النمر باقر النمر ابن بيئته

ولد الشيخ نمر باقر النّمر في العام 1379هـ (1959م)، في منطقة العواميّة، إحدى مدن محافظة القطيف في المنطقة الشرقيّة في السعوديّة، من عائلة معروفة بالعلم والعلماء في المنطقة، فقد وجد فيها كثير العلماء ، أبرزهم الشّيخ محمد بن ناصر آل نمر، و”حجَّة الإسلام الشَّيخ حسن بن ناصر آل نمر، والأديب الشَّاعر محمد حسن آل نمر، و الشيخ عبد الحسين آل نمر (أحد تلاميذ الشيخ محمد بن نمر.

ويعتبر الشيخ النمر باقر النمر احد ابرز المعارضين السياسيين للسلطة السياسية في السعودية كان صاحب وعي فكري وسياسي مكنه من فهم حقيقة الأزمة السياسية والاقتصادية في البلد، لم يكن شخصا مندفعا بل جرأته السياسية هي جزء من وعيه الفكري حيث انه كان يصرح في عديد من المناسبات انه مستعد للتضحية في سبيل المظلومين والمحرومين.. إنها القيادة الرسالية التي ترى نفسها وشخصيتها أحد وسائل المقاومة والردع.

وعي الشيخ النمر باقر النمر بسياسة التهميش

الشيخ النمر كان واعيا بهذه الانتهاكات وبسياسة التهميش الممنهجة في حق العوامية وسكانها فبوعيه انطلق لكي يحتج من خلال الحراك السلمي وقبله سنة 2009 مطالبا حكام السعودية بالإنصاف وعدم تهميش منطقة العوامية و تفقيرها انه المدافع عن الحقوق لشعب مظلوم , فلم يقتصر دوره في المطالبة بإنعاش منطقة العوامية فقط ولكن وعيه السياسي اكبر من الجهوية فقد كان مدافعا عن كل الفقراء والمظلومين في السعودية بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية والطائفية والمناطقية.

الشهيد الشيخ النمر هو الذي كان يصرخ في وجه حكام الرياض أن يعطوا لكل ذي حق حقه وان المظالم لا تتجزأ فهو الذي كان يدافع عن السني المظلوم والشيعي المظلوم , فنظرية المواطنة كانت حاضرة بعمق في فكره السياسي ومطالبه الجريئة بخصوص حقوق الإنسان في المملكة والاعتقالات التعسفية التي تستهدف كل معارض سياسي كيف ما كان توجهه السياسي.

كان الشيخ النمر شديد الانتقاد للسلطة السياسية إذ لم تستطع السلطة قبل الحراك السلمي القضاء عليه أو تصفيته بشكل نهائي نظرا للظرف والسياق العام والمناخ السياسي آنذاك إلى أن تطورت الأحداث في سوريا وما أعقبها من اصطفاف سياسي في العالم بحيث انقسم العالم إلى قسمين قسم داعم لإسقاط النظام في سوريا تقوده الولايات المتحدة وتموله دول الخليج وأخر مقاوم لكل الخيارات التجزيئية والاستعمارية ومدافع عن وحدة الجمهورية العربية السورية..

في هذا السياق اشتد العداء لمحور المقاومة وخصوصا الجمهورية الإسلامية في إيران فبلغ الأمر في الخطاب السياسي العالمي إلى تبني رؤية الطائفية لتفكيك الوحدة الفكرية لنضال الشعوب العربية واستبدالها بالصراع الطائفي سني /شيعي في المناطق ذات الوجود الشيعي الكثيف كالبحرين والسعودية ففي هذا السياق وُجهت التهمة للحراك الشعبي في منطقة العوامية بأنه حراك تقوده أطراف خارجية يستهدف الأمن القومي السعودي وان شيعة المنطقة العوامية يريدون إسقاط الحكومة والمطالبة بالانفصال فضلا عن التهمة الموجهة للحراك السلمي في العوامية باستعمال العنف وحمل السلاح إذ هذه التهم الكبيرة تتيح للسلطة السياسية في أي بلد العمل على استئصال أي معارض سياسي للنظام القائم.

فبحلول تشرين الأول/أكتوبر 2014؛ وجهت المحكمة العليا بالرياض إلى الشيخ النمر عدّة تهم بما في ذلك عصيان “ولي الأمر”، والتحريض على الفتنة الطائفية والمشاركة في المظاهرات هذه الاتهامات كانت بمثابة مقدمات للتخلص من معارض شرس قل نظيره في “السعودية”.

السياق الدولي لاغتيال الشهيد

في ظل الصراع العسكري القائم في سوريا نتج عنه سياسة عدائية انتقامية لمحور المقاومة وخصوصا بعد أن تعافت سوريا من شدة قضم الأراضي واستيلاء الإرهابيين على اغلب المناطق الريفية وبعض المدن الإستراتيجية كحلب وحمص والغوطة الشرقية بفضل الضربات الموجعة التي شنها كل من الجيش السوري وحزب الله والقوى الجوية الروسية في هذه اللحظة بالذات وبعد استهداف زعيم فصيل جيش الإسلام ” زهران عيوش ” الذراع العسكري السعودي في سوريا اشتد غضب السلطة السياسية في السعودية للانتقام من محور المقاومة..

فجاء اختيار رمز شيعي للتعجيل بإعدامه كرد على مقتل زعيم “جيش الإسلام” الفصيل المقاتل في سوريا، هكذا تم إعدام الشيخ نمر باقر النمر في أجواء سياسية بغيضة وحاقدة على وحدة الشعوب العربية والإسلامية.

الشيخ نمر باقر النمر كان رجل المرحلة للتنديد بجرائم السلطة السياسية لم تدعه وطنيته للسكوت عن القهر والتهميش الذي تشهده العديد من مناطق البلاد.. لم يتقبل الظلم والحرمان فتحرك وسعى وناضل للمطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

اعدم الشيخ الشهيد وهو شاهد على الظلم والتحيز الطائفي الذي تشهده “السعودية” فهو شاهد على وطنه فقد أدى الأمانة وبلّغ الأمة ودافع عن حق الشعب وعن حقوق الغير من الشعوب العربية والمسلمة فلم يستسلم لأنه أدرك أن واجبه وتكليفه الشرعي في كلمة حق عند سلطان جائر.

فإذا كانت” الرياض” و”جدة ” تشهد نموا اقتصاديا ومظاهر الثراء الفاحش فمناطق البلاد ليست كلها كذلك فهناك الفقر المدقع والظلم السياسي الاقتصادي وتكدس الثروة في عائلة واحدة لا يهمهم الجائع والعطشان.. وهي سياسة السلطات الجائرة المستبدة في الوطن العربي.

وإذا كان الإعلام احد مرتكزات النظام السياسي في “السعودية” لتمجيد وذر الرماد في العيون، فان الشهيد نمر باقر النمر لم يحتاج إلى مؤسسات إعلامية عملاقة لتحريك الشارع والمطالبة بحقوقه المدنية والاجتماعية, فقوته في كلماته وصدقه ومبدئيته التي حرّكت الشعوب بعد اغتياله.. فقد نددت كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض الدول الغربية وعبّرت عن انزعاجها واستنكارها لاغتيال العالم الرسالي الجليل.


*كاتب وباحث سياسي ـ المغرب

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك