الرئيسية - النشرة - إضاءات نورانية من الوقفات الابائية للشهيد العلامة الشيخ نمر باقر النمر

إضاءات نورانية من الوقفات الابائية للشهيد العلامة الشيخ نمر باقر النمر

ان العلامة الشهيد وان كانت الجماهير متأثرة به الا انه كان النخبوي الوحيد في اطلاق الصرخة القائدة الحقة ، ولم يكن رئيس مجموعة او متزعما لجماعة بالمعنى الحزبي والتنظيمي او مدعوما من احد لا من الداخل ولا من الخارج؛ وانما كان بمواجهته ووقفاته وصيحاته فردا واحدا والجماهير تردد كلماته،،،

الشيخ توفيق حسن علوية*

الشخصيات النورانية الواقفة مواقفا ابائية في هذا العصر نادرة ليس بالسهل على امة باكملها انتاج القليل منها ، والعلامة الشهيد نمر باقر النمر قدس الله اسراره هو من هذا الطراز المفخم المعظم بلا ادنى ريب او شك.

نعم إن شخصية العلامة الشهيد النمر شخصية عجيبة ، هي شخصية لا تسمح للمتصور لها ان يأخذ صورة نمطية عادية ؛ وانما تفرض عليه ان يعترف بأن هذه الشخصية مليئة بالاسرار الالهية وليس مسموحا لذهنك ولا لخيالك مهما كان مسرحه واسعا وممتدا ان يلتقط اي صورة ، وان عليك بالنهاية ان تأخذ شبكتك وتذهب فإن العنقاء لا تصطاد هنا !!

نسمع كثيرا قول ( قدس سره ) او (قدس الله سره) ، وذلك عقيب ذكر احد العلماء الاعلام .

ولكننا هاهنا مع الشهيد العلامة الشيخ النمر نستطيع القول : قدس الله اسراره لا سره! لا سرا واحدا ، لماذا؟

لان نورانية موقف هذا العلامة الشهيد جعلتنا لا نستطيع تصور وجهه المبارك طالما اننا لا نستطيع تصور عظمة فعله !! فاذا كان الفعل غير متصور فما بالنا بصاحب هذا الفعل !! فنحن نحتار لعظمة الفعل فكيف لا نحتار لعظمة الفاعل ؟!

وهذا من جهة ، ومن جهة اخرى هناك عدة القاب تم اطلاقها على العلماء الشهداء كالشهيد الاول ، والشهيد الثاني ،والشهيد الثالث ، وشهيد المحراب ، والمحقق الشهيد ، والعلامة الشهيد ، والسيد الشهيد وغير ذلك .

اما مع العلامة الشهيد النمر فلا ادري ما هو اللقب الذي ينبغي اطلاقه عليه ؟ وبكل صراحة لم استطع تحديد ذلك مع اني ذكرت في طيات هذه المقالة العلامة الشهيد ؛ ولكنه بالتاكيد يستحق لقبا خاصا مميزا اتمنى لو ان احدا ما يتصدى لذلك ، وليعتبرها كل قارئ دعوة مفتوحة لاطلاق لقب يقترب من هذه الشخصية العظيمة مع ملاحظة ظروف زمان ومكان استشهاده .

ولكن ينبغي ان يكون اللقب مستمدا من موقفه الشجاع والجريء ؛ اي يكون مستمدا من الشهادة الاتية عقيب الموقف ، او المرتبطة بالموقف .

ومهما يكن من شيء فإنني وبحمد الله المتعال استطعت استجماع عشرة اضاءات مضيئة في سماء فضيلة الشهيد العلامة الشيخ نمر باقر النمر اكثرها من ناحية الموقف الحسيني الذي وقفه مع كل الظروف المحيطة ، وبعضها من ناحية شخصيته التي لا يحصرها الوصف .

الاضاءة الاولى : كان بوسع سماحة العلامة الشهيد ان يكون خارج بلده ويقود معارضة قوية ، ومن المعلوم ان من يكون في الخارج ويحمل انفاسا ثورية قدسية يستطيع التحدث بما يشاء والكثير من الجهات ترحب به لا سيما اذا كانت شخصيته هذه الشخصية المميزة ؛ وليس فقط يأخذ راحته في الخارج من جهة الاعتراض وتوصيف الامور بصفاتها وتسميتها باسمائها بل ان هناك من يتمنى ذلك بل ويتعمد ذلك ليكون صاحب شأنية وامتيازات ولن تكلفه المسالة دما ولا جهدا ولا عرقا وانما بضع كلمات منبرية او مكتوبة او تلفزيونية او غير ذلك ؛ فيجتمع المال مع الشهرة مع الراحة !!

ولكن العلامة الشهيد رفض هذا المنطق واصر البقاء في وطنه وان يقول كلامه امام النظام في وطنه بالرغم من معرفته المسبقة بأن الكلفة غالية !!

وهذا يذكرنا بالشهيد الشيخ راغب حرب نور الله ضريحه الذي اصر على مواجهة الصهيوني في منطقة الاحتلال لا ان يواجهه بعيدا عن منطقة احتلاله !

ان العلامة الشهيد النمر كان في عمق الوطن عندما وقف تلك الوقفة الحسينية وتم اعتقاله في نفس الوطن وتم سفك دمه في نفس الوطن .

الاضاءة الثانية: ان العلامة الشهيد وان كانت الجماهير متأثرة به الا انه كان النخبوي الوحيد في اطلاق الصرخة القائدة الحقة ، ولم يكن رئيس مجموعة او متزعما لجماعة بالمعنى الحزبي والتنظيمي او مدعوما من احد لا من الداخل ولا من الخارج؛ وانما كان بمواجهته ووقفاته وصيحاته فردا واحدا والجماهير تردد كلماته ، وهذا الفعل انما هو على هدي ابراهيم (ع) الذي واجه الاصنام ومن يدعمها وحيدا ، وهو ايضا على هدي امير المؤمنين ( ع) الذي واجه المشركين في المبيت على الفراش وحيدا ، وهو على هدي الحسين (ع) الذي واجه في كربلاء الاعداء وحيدا بعد استشهاد اهل بيته وصحبه .

الاضاءة الثالثة : لم تتعد وقفاته الكلام الموضوعي الموزون الذي كان خطابيا ، ولكونه خطابيا وهو الخطيب الملهم والمفوه فقد كان حماسيا الا انه لم يخرج عن الموضوعية والتوازن والنتائج المترتية على مقدمات صحيحة .

فليتتبع المتتبع وليتامل المتامل كل خطابات العلامة الشهيد وليتعمق قليلا فيها فانه سيكتشف التوازن والموضوعية في مضمون الخطاب وان كان بالشكل ثوريا وحماسيا !

الاضاءة الرابعة : يظهر من سيرة العلامة الشهيد الشهيد وكما ظهر في بعض الوثائقيات انه كان قريبا من الناس متلاحما مع قضاياهم ومنصهرا في بوتقتهم ولهذا نتلمس في خطاباته انه كان يتأوه عنهم ويتلوع لاجلهم ويعيش همومهم وغموهم واهاتهم واوجاعهم وزفراتهم وحسراتهم وضائقتهم .

ان الذي يكون جزءا لا يتجزا من الناس وفردا منهم يؤثر فيهم اكثر بكثير من ذاك الذي يخاطبهم من بعيد .

وليس تاثير العلامة الشهيد في الناس فقط لقربه الحسي منهم ، فربما كان العالم قريبا من الناس ولكن خطابه وادبياته بعيدة كل البعد عن واقعهم وهمومهم ومشاكلهم واولوياتهم ، وانما كان العلامة الشهيد قريبا من الناس بشخصه وفكره وخطابه !

الاضاءة الخامسة : ان طبيعة البلد الذي كان يعيش فيه العلامة الشهيد يفتح له الافاق الواسعة من البحبوحة والغنى والثروة والشهرة والزعامة فيما لو داهن الظالمين وسكت عنهم ومارس وظيفته الدينية والتبليغية والدعوية .

ولكن العلامة الشهيد رفض هذه العروض التي عادة ما تكون جاهزة حتى بلا عرض وآثر تلك الوقفة الإبائية وصرخ بأهل تلك اللماظة واصحاب الظلم وباعلى صوته صرخة الحق المدوية !

ولم يقف الامر عند العلامة الشهيد ترك كل عروضات الجذب والترغيب وانما وصل به الامر الى عدم الاكتراث بالترهيب .

اذ من المعلوم ان الشخص عادة يخضع لمنطق الترغيب فلا تصل اليه نوبة الترهيب ، ويمكن ان لا يقبل بالترغيب لكنه يخضع امام الترهيب ، اما العلامة الشهيد فقد ضرب كلا المقولتين واختار الطريق الموصلة للشهادة رفضا للذل وطلبا للاصلاح واخراج الناس من الحالة الغنمية النعاجية !!

الاضاءة السادسة : العلامة الشهيد النمر لم يطرأ على الحياة المتمظهرة بالوقفة الابائية وانما هو شخصية لها حضورها المسبق على الساحة ؛ فلم يات جديدا على ساحة الموقف الابائي والاصلاحي وانما كان متمركزا فيها وبقي كذلك حتى لحظة استشهاده .
فلم يأت العلامة الشهيد من الفراغ ، ولم يطرا على الحالة الحجازية ، وانما كان متجذرا في تلك الارض معروفا ومعلوما للجميع ، وحاضرا في كل الساحات والمواقف ، وبالنالي لم تنطبق على العلامة الشهيد مقولة : من اين اتانا هذا ؟ وانما انطبقت عليه مقولة : هذا الذي تعرفه كل الحجاز . بل اغلب الشعوب العربية والاسلامية .

وهذا الذي تعرفه كل الحجاز اي العلامة الشهيد هو على هدي امامه الامام السجاد ( ع) الذي قال فيه الشاعر الفرزدق : هذا الذي تعرف البطحاء … الى اخر القصيدة .

والعلامة الشهيد على هدي امامه السجاد ( ع) كل شيء يعرفه ، الحجاز كلها تعرفه ، الشيوخ يعرفونه ، والشباب يعرفوه ، والاطفال يعرفونه ، والساحات والباحات والوقفات كلها تعرفه .

الاضاءة السابعة : السياف الذي يقطع الرؤوس بناء على احكام النظام التابع له كان في مقابلة تلفزيونية شاهدتها ، وحيما توجه السائل اليه بسؤال حول هل ان الشيخ النمر فزع او ارتعب او قرر التراجع عن موقفه في لحظة القتل ؟ فاجاب السياف : لا . لم يفعل كل ذلك وانما اصر على مواقفه ولم يتراجع .

انظر الى ما قاله السياف لتعرف عظمة شخصية العلامة الشهيد الشيخ النمر ! فقد اصر على مواقفه بالرغم من السيف المسلط عليه !!

وهذا يذكرنا بحجر بن عدي الكندي الذي رأى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا وبالرغم من كل ذلك لم يتراجع ولم يستجد حياته وانما رفض البراءة من امير المؤمنين ( ع) .

الاضاءة الثامنة : ان العلامة الشهيد كان في خطاباته يتحرك مع النصوص ويحييها ويطالب باحيائها واسقاطها على الواقع لمداواة الالام وتحرر الناس والاخذ بالحلول لحل المشاكل وتغيير الظروف .

كان يقرا خطابات المعصومين ( ع) ويتوجه الى الناس بالقول : اين هذه من واقعكم ؟ اين هذه من الحكام الظالمين ؟ اين هذه من سرقة اموالكم واعتقال الاباء والابناء ؟ اين هذه من مصادرة قراراتكم وحرياتكم ؟؟!!

الاضاءة التاسعة : يظهر من تضاعيف حركة العلامة الشهيد انه كان موطنا نفسه على لقاء الله المتعال عازما على متابعة هذا الطريق عارفا بان ثمار دمه الزاكي لن يتم قطفها سريعا وانما بعد حين ؛ ولهذا كان يصرح في خطاباته بأن الحياة الشخصية في ظل هذا الذل وفي ظل الحالة الغمنية لا قيمة لها ، ويكفي في ذلك انه كان يعرف طبيعة العدوانية الموجودة عند من يواجههم ؛ وانهم لا يرتدعون عن شيء ولاسيما ان اتهاماتهم بالفرسنة والمجوسية وغيرها موجودة وجاهزة .

وهذه النقطة المضيئة في سماء فضيلة العلامة الشهيد تجعلنا نطل على خصائص ومزايا العلامة الشهيد العملية والتطبيقية لا النظرية والتي منها بعد العلم والدين والتقوى والكرم : (البصيرة – الشجاعة والاقدام – عدم الرهبة من الموت – الايثار – التحرر من قيود المادة – الهمة العالية – الارادة الصلبة – عدم الدعة والراحة – الالتصاق بالناس – بيع النفس لله المتعال – النظر الى اقصى المرادات والاهداف – الخطاب الواقعي – الصلابة وعدم التزحزح – الاستقلالية وعدم التبعية لاحد – القناعة الراسخة – القدوة – الروحية العبادية والعرفانية) وغير ذلك .

وهذه الصفات كما ذكرنا هي صفات عملية تطبيقية لا نظرية وغير افتراضية وليست من قبيل الكلام الانشائي .

الاضاءة العاشرة : ان العلامة الشهيد واجه كل الصفات الطاغوتية التي واجهها غيره كل على حدى وبمفرده ؛ فقد اجتمعت في الطاغوت الذي واجهه العلامة الشهيد كل من : (السلطة – القوة . المال – التوحش الجاهلي – الارث الشركي السفياني القديم المتجدد – الدعم الدولي – العصبية الجاهلية – الاعلام الخبيث – الاستنسابية في اصدار الاحكام – الحقد على الخلفية الفكرية التي ينتسب لها العلامة الشهيد ) . وغير ذلك .

كل هذا واجهه العلامة الشهيد منفردا ، ومما زاد هذه المواجهة قسوة ان العلاقات الاقليمية كانت في اوج السوء والسلبية الامر الذي زاد من منسوب حقد هؤلاء على العلامة الشهيد ؛ وكلنا نعلم بأن بعض الظروف الاقليمية الايجابية تنعكس ايجابا على بعض الشخصيات فتثمر اعفاء هنا وافراجا هناك لتطييب العلاقات ، وهذا كله لم يكن حاصلا في قضية العلامة الشهيد لان الله المتعال اراد لهذه العلامة الشهيد ان يكون كل ملفه عنده وحده ليكون الله المتعال هو المتكفل بقضيته والمنتقم له والمقتص من عدوه ؛ وهذا يذكرنا بدم حجر بن عدي الكندي الذي بقي دمه المقدس ملاحقا لمعاوية طيلة حياته .

فدم العلامة الشهيد سيبقى يلاحق قتلته حتى إزالة كل شأفتهم من المسرحين الاسلامي والعربي ، واقول لكل واحد يسمعني الان او يقرأ مقالتي بعد حين ان شاء الله وقدر : ايا تكن هوية المنتصر على قتلة العلامة الشهيد الشيخ النمر فإن من انتصر حقيقة هو دم العلامة الشهيد ! صيحاته ! نبرات صوته ! اوجاعه ! الامه ! مواقفه ! جرأته !

واذا ما حاول اي احد تعزية الانتصار على قتلته الى نفسه او جهته فإنه يكون مغطيا لحقيقة المنتصر الحقيقي والسبب الحقيقي للانتصار اعني دم العلامة الشهيد الشيخ النمر !!

اننا ندعو كل ابناء العالم الاسلامي والعربي عند الانتصار الكبير على قتلة العلامة الشهيد الشيخ النمر ان تتم محاكمة قتلته وكل من ثبت تورطه بهذه الجريمة باسم العلامة الشهيد ، وان يتم تسمية الانتصار باسمه ، وان تكون اول نشرات الاخبار وكل الصحف والمجلات والدوريات العادية والالكترونية وغيرها مصدرة بعبارة : وانتصر دمك .

او اي كلام من هذا القبيل الذي فيه رمزية انتصار دم العلامة الشهيد على قاتليه .

رحم الله شيخنا العلامة الشهيد وألهم الامة الاسلامية بل كل العالم بانتهاج نهجه لتعم الحرية في كل مكان.


رجل دين، كاتب وباحث لبناني

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك