الرئيسية - النشرة - بعد 12 سنة حصار.. غزّة تقاوم 

بعد 12 سنة حصار.. غزّة تقاوم 

يرزح قطاع غزّة منذ إثني عشر عاماً تحت حصار ثلاثي يحجب المنافذ الجويّة والبريّة والبحريّة، حصارٌ تسبّب بأزمة إنسانية خانقة في مساحة صغيرة تكتظّ بالسكان، ترافقه انتهاكات مستمرة من قبل العدو الاسرائيلي الذي شنّ ثلاث حروب عدوانية على القطاع فاقمت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية المتردّية في الأساس، معاناة الغزّاويين بدأت في يناير 2006 عقب فوز حركة حماس في الإنتخابات التشريعية، حيث بدا للطرف الإسرائيلي أن قطاع غزة أصبح بيئة حاضنة للمقاومة الإسلامية في فلسطين.

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

يشتمل الحصار على تقنين الكهرباء ومنع دخول المحروقات والكثير من المنتجات والسلع، من بينها الدواجن واللحوم، هذا ولا يُسمح الصيد في عمق البحر ويتاح لمراكب الصيادين دخول الشواطئ ضمن مسافة محددة من قبل الإحتلال فيما يُقتل مباشرةً كل من تجاوزها، عدا عن العمليات الإرهابية التي ينفذها العدو الإسرائيلي بحق الغزّاويين من اختفاء قسري وقتل على الهوية واعتقالات مستمرة، وعدا عن أزمة المياه وشلل المؤسسات الإقتصادية والتجارية وارتفاع نسبة الفقر المدقع والبطالة وتردّي المؤسسات الصحية والتعليمية، إذ ورد في التقرير السنوي، الصادر عن منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، مطلع أكتوبر 2015، إن “غزة قد تصبح منطقة غير صالحة للسكن بحلول عام 2020، خاصة مع تواصل الأوضاع والتطورات الاقتصادية الحالية في التراجع”. وأضافت المنظمة أن “72% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي” فيما أكّد البنك الدولي أن اقتصاد غزّة يُصنّف ضمن أسوأ الحالات في العالم حيث بلغ معدل البطالة عام 2014 43%، ارتفعت إلى 46.6% خلال العام الفائت بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ذكرى النكبة وافتتاح السفارة الأمريكية

عندما كان الأمريكيون يرفعون نخب افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، اندلعت المظاهرات الإحتجاجيّة في غزة على الخط الحدودي مع العدو بالتزامن مع ذكرى نكبة 1948، لتحلّ نكبة 2018 التي راح ضحيّتها أكثر من 60 شهيداً و3 آلاف جريح، حشد لهم جيش العدو ترسانته العسكرية ليرتقوا شهداءاً بين الدقيقة والأخرى بالرصاص الحي وصواريخ الطائرات التي لم يفلت منها كل من اعتزم الرحيل باتجاه الشريط الشائك حيث الإستشهاد محتوماً أو الإعاقة الدائمة لا محالة.

الصمت العربي والدولي

هذا الإعتداء الدموي الذي يمثل انتهاكات صارخة لكل المواثيق الدولية لم يستدعي من المنظمات “الحقوقية” سوى التباكي على استخدام “القوّة المفرطة تجاه الفلسطينيين”، ولم يكلّف مجلس الأمن الدولي سوى التنديد  بإستخدام حكومة الاحتلال “القوة المميتة ضد الفلسطينيين”، أما عربياً فلم يستدعي هذا الإعتداء نهوض العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز لعقد قمة طارئة، إذ لم يكن بعيداً عن الأنظمة العربية والخليجية بالتحديد أن تلتزم الصمت حيال كل ما يجري على الفلسطينيين راهناً أو لاحقاً، وأن يشيح حكّامها بوجوههم تجاه العروش التي دفع ثمنها شهداء الرصاص الغادر والمعتقلين في أسرى السجون الإسرائيلية والمشرّدين في أصقاع الأرض والمنفيّين والمهددين بالقتل والمطاردين والمعطوبين، وفي الداخل أقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بخطوة لا تقل انهزامية عن مواقفه المتكررة شكلاً ومضموناً ليعلن تنكيس الأعلام لمدة 3 أيام حداداً على الشهداء، بالإضافة إلى الإضراب الرسمي الثلاثاء 13 أيار، بمناسبة مرور 70 عاماً على النكبة الفلسطينية.

دلالات المظاهرات

احتشاد الفلسطينيّن في غزّة وبالمقربة من الشريط الشائك بل المبادرة إلى تمزيقه وتخطّي حدود العزل أثناء إعلان افتتاح السفارة الأمريكية في القدس كما في كل يوم جمعة حيث تنطلق مسيرات العودة لمواجهة جيش الإحتلال بالحجارة وطائرات الورق المشتعلة فيرتقي الغزّاويون شهداء أو يعودون مبتوري الأقدام والأيدي، هي أدلّة دامغة على إصرار الشعب الفلسطيني المقاوم على استرجاع أرضه حتى آخر جرح نازف، فالفلسطيني الذي يخرج من منزله في غزّة كل يوم جمعة يعلم جيداً أن مصيره الموت أو الإعاقة ومع ذلك يقدم بكل شجاعة، ومن حيث يعلم أو لا يعلم يعطي المتخاذلين من حكّام الأمة وأفرادها دروساً مجانيّة في الوطنية والشرف والكرامة.

إن مشاركة الفلسطينيين في مسيرات العودة السلمية جداً والتي تواجه من قبل الجانب الإسرائيلي كأي عمل عسكري بالتزامن مع إعلان القدس عاصمة لدولة الإحتلال، وما يسمى بصفقة القرن، تدحض كل كلام من قبيل أن الفلسطينيين مستعدون للتخلي عن شبر واحد من أراضيهم، وترسّخ إيمانهم بدحر العدو الصهيوني وتحرير كافة أراضيهم حتى جلاء آخر جندي فرّ إلى هنا أو هناك، وهي حراكٌ نضاليًّ لتأكيد الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة، وهي يقينٌ بأنه لن يكون هناك أي مفاوضات بين الفلسطينيين شعباً وقيادات مع الجانب الإسرائيلي، وتُبطل الهراء السياسي الواعد بحل الصراع العربي – الإسرائيلي وفي السياق يقول مفتي القدس والديار الفلسطينية، د. محمد أحمد حسين، إن مسيرات الشعب الفلسطيني مستمرة لتوجيه رسالة قوية للعالم، بأن الفلسطينيين مستمرين في تقديم التضحيات من أجل القدس، معقبًا أن القدس عربية وستظل عاصمة دولة فلسطين للأبد.

هذه الدماء التي يفوح عبقها من فلسطين تحيي حرارة الشعوب التي بردت يوماً ما لسبب أو لآخر، لكل فلسطيني اليوم يخرج من داره وهو يعلم علم اليقين أنه لن يعود، نؤكد له أنه يُحيي أمة كاملة، لإن هذه الدماء التي تُهدر على خطوط التماس مع العدو بكل هذا الإقدام والإصرار هي دماء زكيّة ونتاج إرادة صلبة وعزيمة حقيقية وإيمان مطلق بالقضية وبحق العودة وفك الحصار.

لا بدّ لكل عربي وكل مسلم في العالم أن يعي أن القضية الفلسطينية ليست نزاع على مساحة جغرافية، إنما هي معركة شرسة بين الحق والباطل، تهدد وجودك كمسلم وتُعزز وجوده كصهيوني يمهّد أرضك لمشروعه، إذ ما تلكّأت وفرّطت بهذا الحق الشرعي، فمن واجبنا كمسلمين ومؤمنين بالقضية الإنشغال بها لا عنها والتعبير عن الرفض المطلق لكل ما يواجهه الفلسطينيون في غزة بشكل خاص وفي فلسطين عامة بأبسط وأقل السبل المتاحة، أما أنت أيها العاشق لقضيتك جداً في أي أرض كنت، فلسطين بإنتظارك.. وإذ ما حانت الساعة لا تلتفت للوراء، احمل بندقيتك.. وارخي الكوفية على كتفيك ثم امضي هاتفاً: “ع القدس رايحين شهداء بالملايين”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك