الرئيسية + النشرة + القضية الفلسطينية: بين الشرذمة والتزامات المسلمين

القضية الفلسطينية: بين الشرذمة والتزامات المسلمين

تشهد القضيّة الفلسطينيّة إلى جانب المواجهات العسكريّة اغتيالاً فكرياً وحضورياً قوامه السياسة والإعلام.. سيف الأجندات الأمريكيّة – الصهيوينة بالتواطؤ مع معظم الأنظمة العربيّة وفي رأس قائمتها النظام السعودي والإماراتي حرف السواد الأعظم من الشعوب عن القضيّة الإنسانيّة الإسلامية الأساس، أي القضيّة الفلسطينية.

 زينب فرحات ـ خاص مرآة الجزيرة

منذ وضع الحجر الأساس لإتفاقيّة سايكس – بيكو القاضية بتقطيع أواصر الشرق الأوسط وتفتيته وإرضاخه للهيمنة الصهيونية عملت الإدارة الأمريكية وحكومة الإحتلال الصهيوني على اقتلاع روح القضيّة من جذور العالم الإسلامي، بشتّى الطرق والأساليب، – وببالغ الأسف – لقيت مخطّطات التمدّد والتوغّل الصهيوني في بلادنا الإسلامية رواجاً واسعاً لفترة طويلة خلت، وكانت أبرز عوامل الدفع الآخذة بهذا التوغّل قائمة على اختلاق الأكاذيب والإشاعات في الداخل الفلسطيني وتصديرها إلى الخارج، هذا من جهة، ومن جهة أخرى اصطناع الفتن والتشرذم بين بلاد المسلمين عامّة وداخل البلد الواحد وبالتالي يكون نتاج هذا الأمر – بحسب الحركات الصهيونية – عزل القضية الفلسطينية عن كافة شعوب العالم بفعل تحييد الإنسان المسلم عن قضيته الأم وإحباط آمال الفلسطينيين بتحرير بلادهم.

تضليل القضية وتخوين الفلسطينيين

البداية كانت في مطلع العام 1948 مع احتلال الأراضي الفلسطينية وإعلان قيام الدولة “الإسرائيلية”، إذ راح اللوبي الصهيوني يروّج لإشاعة أن “الفلسطيني هو من باع أرضه”، وتركّزت الدعاية الصهيونية آنذاك، على فكرة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” علماً أن الدراسات التي تناولت مسألة انتقال الأراضي إلى الصهاينة وثّقت أن الأراضي التي حصلوا عليها قبيل عام 1948 من دون قتال تُقدّر قيمتها بمليوني دونم (أي بنسبة 8.8 من مساحة فلسطين البالغة 27 مليون دونم)، فضلاً عن ذلك فإن عملية الحصول على هذه النسبة الصغيرة جداً من أصل الأراضي الفلسطينية تمّت بفعل عوامل ومكوّنات أخرى، حيث جرى تحصيل 650 ألف دونم منها من قبل المقيمين اليهود، و665 ألف دونم أخرى من قبل حكومة الإنتداب البريطاني، فيما باع إقطاعيّون لبنانيون وسوريون 600 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية، هذا وقدّم الولاة العثمانيون أيضاً تسهيلات بيع كبيرة لليهود نتيجة الرشاوى وتبادل المصالح، وبالتالي فإن مجموع ما باعه أهل فلسطين من أراض طوال ثلاثة عقود لا يتجاوز 300 ألف دونم فقط، وقد حصل ذلك نتيجة السياسات المُجحفة التي فرضها الإنتداب البريطاني على الفلسطينيين وعدم وضوح نوايا اليهود الذين كانوا مجرّد أقليات في فلسطين.

الصراعات المفتعلة

أما فيما يُعنى بشؤون الأمة الإسلامية، فقد تمدّدت أذرع الهيمنة الأمريكيّة إلى دول المسلمين وأنشأت حركات مضادّة للوحدة الإسلامية بغية إجهاض الإنتماء للقضيّة الأم، وذلك عملاً بالمبدأ القائل: “فرّق تسُد”، إذ عملت المخابرات الأمريكية والصهيونية وعبر تواطؤ الأنظمة المحلية العميلة على تشكيل التيارات الإسلاميّة المتطرفة التي اختلقت الصراعات بين أبناء الدين الواحد وبين أبناء الأديان السماوية أجمع، فغدا المسلم الشيعي غريماً للمسلم السنّي، والمسلم يُزاحم المسيحي وهكذا دواليك، هذه الإنقسامات المتعمّدة التي كرّستها التيارات الوهابيّة وكل مَنْ يدور في فلكها، منذ نشأة النظام السعودي الحديث عام 1932، التي تخدم مصالح ومشاريع أمريكية – إسرائيلية في المنطقة، جميعها كانت سكيناً طاعناً بقلب القضية الفلسطينية إثر تشرذم الأمة الإسلامية وانقساماتها لخدمة مشاريع صهيونية.

الخلايا السرطانية

بعد مرور فترة من الزمن، وعندما بدأ المشروع الطائفي الفتنوي يتبدّد وأخذت الشعوب العربية تستعيد عافيتها من الصراعات الماضية، حضر الصهاينة وبتسهيلات كبيرة من المتصهينين العرب إلى عمق المعركة مجدداً، عبر الأدوات التكفيرية التي كانت نتاج واقعي وطبيعي للتيارات الوهابية المتشدّدة، هذه التنظيمات الإرهابية سارت كالنار في الهشيم في بلادنا العربية منذ مطلع العام 2011، وترسّخت مهمّتها الأساس في النيل من الحكومات والقيادات العربية الممانعة للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة، إلى جانب بعض المصالح الجانبية، وبالتالي كان النظام السوري أول المستهدفين ثم ما لبث الإرهابيون أن انتقلوا إلى لبنان وكذلك العراق وصولاً إلى اليمن عام 2015 حيث شنّ النظام السعودي عدواناً بمؤازرة معظم الدول العربية وبإملاءات أمريكية – إسرائيلية.

وانتهت الآلة الاعلامية السعودية تصوّر المواطن الفلسطيني بالنسبة للعرب بأنه إنسان “خائن” باع أرضه ولا يستحق الدعم بأي شكل من الأشكال، وأصبح المسلم العربي غارقاً في وحول الإنقسامات المذهبية والطائفية، أو بمصارعة التنظيمات الإرهابية التي تفتك ببلاده، فيتنحى عن القضية وينسى فلسطين لتخلوا الأجواء للعدو الصهيوني ويبزغ فجر مشروع الشرق الأوسط الجديد.

عوامل الوحدة

في المقابل، إن ما يجمع المسلمين في مختلف أصقاع الأرض أكثر بكثير مما يفرّقهم فالإرتباطات التاريخية والعقائدية بين المسلمين للإجماع على دعم القضية الفلسطينية كفيلة بتصفية أي مخطط صهيوني يقضي بتحييد القضية الأساس مهما بلغ مكره وذلك بسبب العوامل التالية:

أولاً: العودة إلى جوهر الإسلام وتعاليم القرآن التي تنصّ على الوحدة ونبذ العصبيات والهيمنة، إذ يقول الله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله…)[النساء:59]، كما يقول (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءاً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً…)[النساء:103]، ويورد عزّوجل (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)[الشورى:10]، هذا وعمل رسول الله محمد(ص) على توحيد الأمة الإسلامية وكبح جماح القبائل العربية المتناحرة بالوازع الديني، والتطبيق الفعلي لكتاب الله جلّ وعلا.

ثانياً: العامل العقائدي إذ يُعتبر المسجد الأقصى بالنسبة لكافة المسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وإليه أسرى الله بالرسول(ص) ومنه عرج إلى السماوات العلا، حيث جاء في محكم الكتاب المبين (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) [الإسراء1]، بالرغم من مساعي الصهاينة في طمس معالم هذه الرابطة الإسلامية عبر تهويد القدس والمسجد الأقصى.

ثالثاً: وهي الشواهد الواقعية التي خطّتها التجربة الصهيونية الدموية في بلاد المسلمين، الأمر الذي يجعل كل مسلم يعي جيداً أن دولة الإحتلال في المنطقة تشكّل تهديداً حقيقياً لوجوده وخطراً كبيراً على الدين الإسلامي ومهما بلغت الإختلافات والإنقسامات تبقى الشواهد التاريخية حاسمة للتسليم في هذا الجانب.

إن القضيّة الفلسطينية ليست قضية إسلاميّة فحسب إنما هي قضية إنسانيّة جامعة لكل الأحرار في العالم الذين يرفضون الإمبريالية والغطرسة الصهيونية، والدفاع عنها هو واجب إنساني إسلامي محض ولو بأبسط السبل الممكنه، وعلى الرغم من تعدد المعارك وكثرة الحروب في العالم العربي لا شك في أنها مجرّد مقدّمات لمعركة وجودية مفصلية لن تنتهي إلا “بزوال إسرائيل من الوجود”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك