الرئيسية - النشرة - الدكتور حمزة الحسن: الرياض تقلص عدد اصدقائها واليمن شاهد على فشلها السياسي والعسكري

الدكتور حمزة الحسن: الرياض تقلص عدد اصدقائها واليمن شاهد على فشلها السياسي والعسكري

مرآة الجزيرة
إعداد وتقديم: هاني العبندي

مُنذ تولي سلمان عرش الحكم ومسارات التغيير بدأت تتشكل ملامحها من الأيام الأولى عبر التعيينات التي لا تزال مستمرة لتتكون المملكة السلمانية، والتي بات المتحكم فيها إبنه محمد ذو 32 عام ، الذي عُرف عنه مُنذ مراحل طفولته بعدوانيته الشديدة تجاه الأخرين. وفيما لم تعد العلاقة التاريخية بين آل سعود وآل الشيخ كما في العهد السابق. هذه العلاقة التي دخلت حيز التنفيذ في عام 1744، وذلك بهدف تحقيق المصلحة المشتركة، حيث كانت مسألت الحماية بالنسبة للوهابية حاجة ضرورية التي وجدتها في آل سعود في ذلك الوقت، فيما وجد آل سعود في الوهابية على من يشرعن له مواقفه. في عهد محمد بن سلمان وبسبب اندفاعه الشديد نحو إرضاء المتطلبات الأمريكية ، أدخل البلاد في تغييرات شكلية تم توظيفها إعلامياً و سياسياً فيما بقي جوهر القضايا مُجمد حتى إشعار أخر. مرآة الجزيرة وعبر حوار مطول مع المُحلل والكاتب السياسي د.حمزة الحسن ، تناولت أبرز الملفات السياسية في الشأن الداخلي والأقليمية.

مرآة الجزيرة: تاريخياً الصراع داخل الأسرة الحاكمة صورة ثابته تم تجنب إبرازها أو الكشف عنها للصحافة والإعلام المحلي والدولي على حدِّ سواء، في عهد الملك سلمان ومع تعيين ابنه ولياً للعهد، لم يعُد صراع وخلافات الأسرة الحاكمة شأناً خاصاً، هل يُمكن قراءة هذا التحول بوصفه علامة من علامات الانهيار السياسي لاسيما مع انتهاء صلاحية “هيئة البيعة” التي أسّسها الملك عبد الله في عهده، وغياب منصب ولي ولي العهد؟

ككل العوائل المالكة، أو العوائل الحاكمة، فإن الصراع الداخلي على الحكم يعدُّ شأناً خاصاً، وكشفه او تسليط الضوء عليه، يعني إشراك عامّة المواطنين في الشأن السياسي الخاص ـ بنظرهم، والعام ـ بنظرنا.

مادام الحكم خاصاً بآل سعود، وفق قاعدة (الشيوخ أبخص)، فإن إطلاع الجمهور على تفاصيله، والصراع بشأنه، لا يكون في صالح المتنافسين، أو المتصارعين. وغالباً ما يكون الكشف عن الصراع بين الأمراء، عبر تسريبات الأخبار مثلاً، أو حتى علنياً ـ كما حدث للملك سعود، إنما يقوم به الجناح الأضعف او الخاسر، الذي يستهدف من الكشف عن الصراع: استدعاء الدعم الشعبي لتصليب موقفه او للتخريب على خصمه ومنافسه. والصراع على الحكم في السعودية، ليس جديداً، لا في العهد الحالي، ولا في العهود السابقة. ولكن هذا الصراع الذي شهدناً فصله الأكبر بالإطاحة بمحمد بن نايف ولي العهد ووزير الداخلية السابق، ومتعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني، أكثر حدّة وأهمية للحكم السعودي مما حدث مثلاً في عهد الملك سعود، والذي تم اقصاؤه وطرده كلية من البلاد الى منفاه في اليونان الى أن مات.

تكمن أهمية التحولات في صراع الأجنحة، بعكس الصراعات السابقة، انه يؤسس لنظام وراثة مختلف، أي تحول نظام وراثة الحكم من وضعها الأفقي (انتقال الحكم من الأخ الى أخيه) الى النظام العمودي (من الأب الى الإبن). وهذا جعل الصراع حاداً مكشوفاً للمواطنين والعالم أجمع.

الآن ليست هناك حاجة الى إجماع العائلة المالكة، ولا الى نظام هيئة البيعة، ولا حتى الى مشايخ يشرعنون الحكم، ويصطفون مع هذا الطرف او ذاك، كما حدث في صراع فيصل مع اخيه سعود. والتحول الى الوراثة العمودية في الحكم، هو على المدى البعيد يوفّر استقراراً للحكم أكبر، ويمنع الصراع بين الأمراء، او يقلصه الى حد بعيد، ويجعل الخلاف مهما كبر حول مناصب أقل من كرسي المُلك وولاية العهد.

ولكن التحول الى الوراثة العمودية، تستدعي قسراً صراعاً مفتوحاً، إذ لا يمكن لعشرات الألوف من امراء واميرات العائلة المالكة، القبول به طوعاً، ما يعني ان وحدة العائلة المالكة (التي كان يُنظر اليها كضامن لاستقرار العرش) لن تكون مصدراً للشرعية، ولا للإستقرار. والأرجح أن قبول بقية الأمراء بحكم محمد بن سلمان ثم ابنه (ولي العهد القادم) يتطلّب فترة طويلة من الصراع، وقسوة متواصلة ضد المنشقّين حتى يخضعوا.

مرآة الجزيرة: المؤسسة الدينية والتي عُرف أنها الشريك التاريخي الذي منح للنظام السعودي المشروعية الدينية لعقود من الزمن، هل أصبحت خارج المعادلات السياسية الجديدة، بعبارة أخرى هل يمكن إلى صانع القرار السياسي تجاوز هذه العلاقة التاريخية، أم لا يزال بحاجة لها؟ وما هي ردود الفعل المستقبلية المتوقعة من قبل الأجنحة الدينية سواء في أسرة آل الشيخ أو خارجها؟

تم اضعاف المؤسسة الدينية، لأنها بقدر ما خنقت المجتمع، خنقت الحكم السعودي، وهو أمرٌ لم يكتشفه آل سعود إلا متأخراً.المؤسسة الوهابية، مجرد أداة بيد النظام، كانت ولا تزال، وستبقى مهما أُضعفت، تلك الآلة التي يمكن العودة اليها واستخدامها. لاحظ الأمراء ان المخاطر التي تجلبها المؤسسة الدينية لهم، أكبر من المصالح التي يستفيدونه منها. كانت الوهابية ومشايخها، أساس شرعنة الحكم السعودي (داخل نجد)، لأن اكثر المواطنين في المناطق الأخرى ليسوا وهابيين، وبالتالي ليسوا معنيين بمشايخ السلطة الوهابية. لكن المؤسسة الدينية، أصبحت عملياً، مفرخة للعناصر الوهابية (القاعدية والداعشية) الخارجة على الحكم السعودي. أي انها بدل توفير الشرعية، أصبحت مصدراً لنقضها.

ايضاً، كانت الوهابية ومؤسساتها وأذرعها الخارجية أداة لتوسعة النفوذ السياسي السعودي خارجياً. الآن أصبحت أداة استعداء الدول الخارجية ضد آل سعود، ما شكل عبئاً على النظام السعودي، ففي كل يوم هناك قضية في بلد سببها مؤسسة او مركز وهابي، او منتمون للوهابية.

وحتى في الداخل السعودي، استخدم النظام المؤسسة الدينية في قمع خصومه (فتاوى الاعدامات والاعتقالات وضرورة الطاعة لولي الأمر)، والتضييق على المواطنين اجتماعياً، بتوسعة دائرة الحرام، حتى كره المواطنون ليس فقط المؤسسة الوهابية والمشايخ، بل تمدد الى كره من يقف وراءها من الأمراء والملوك.

الدولة المعوّقة وجدت نفسها غير قادرة على إرضاء الداخل والخارج، فقررت التغيير وضحّت بالمؤسسة الدينية (على الأقل باضعافها والى وقت ما).

أي أن آل سعود حجّموا مشايخ الوهابية، ولكنهم لن يستغنوا عنها، ولا عن رجالها. وسيتم استدعاؤهم وقت الحاجة، وقد اثبتت الوهابية ورجالها انهم اكثر مطواعية لولاة امرهم، واكثر شراسة على الجمهور.

لكن اضعاف المؤسسة الدينية، يعني اضعاف شرعية النظام السعودي، على الأقل في المحيط النجدي، وهذا يفتح الطريق لظهور نسخة وهابية جديدة متطرفة واكثر عنفاً من القاعدة وداعش.

مرآة الجزيرة: كيف تُفسر التحول في صورة توظيف قضايا المرأة السعودية من شغل الرأي العام في حوارت عقيمة عبر الصحافة والإعلام في العهود السابقة وتحديداً خلال عهد الملك فهد، والذي تُعد فترة حكمه الأطول بين الملوك السعوديين حيث تسنم العرش منذ العام 1982 وحتى 2005، وصولاً إلى الملك سلمان وتعيين ابنه محمد لمنصب ولاية العهد الذي حسم عدداً من ملفات المرأة وفتح المجال واسعاً أمام ما يمكن الاصطلاح عليه بتسليع المرآة والزج بها وبالمجتمع المحلي في أتون الانفتاح غير المبرمج والخارج على الأعراف الاجتماعية والدينية.. برأيك لماذا المرأة السعودية دائماً تتعرّض إلى هذا الكم من الاستغلال وتوظيف قضاياها سياسياً وهي المهمشة والمحرومة ككل المواطنين من كافة حقوقها السياسية؟

قضية المرأة في السعودية، ليست قضية هامشية، بل هي في عمق الموضوع السياسي والإجتماعي، بغض النظر عما يستهدفه النظام من التركيز هذه الأيام عليها.

محمد بن سلمان لا يريد تغييرات إصلاحية سياسية، ورأى ان من المناسب (لإرضاء الغرب) تقديم تنازل في الموضوع الاجتماعي (الترفيه والمرأة والفن وغيرها)؛ ولكنه يخطيء إن ظنّ ان إعطاء المرأة بعض حقوقها الاجتماعية، لا علاقة له بالسياسة.

قيادة المراة للسيارة، ومهما بدا تافهاً لدى الخارج، فإنه قرار سيقود الى تحول اجتماعي كبير، واهتزاز في منظومة القيم، قد تجلب معه سخطاً من بيئة النظام النجدية الوهابية، وقد تُستخدم أداة تتغذّى عليها القوى الوهابية المتطرفة المحلية في معارضتها للنظام.

مرآة الجزيرة: لأول مرة في تاريخ الاقتصاد السعودي يتم عرض شركة (أرامكو) إلى الاستثمار، ومتوقع أن يجري الاكتتاب العام المبدئي في بريطانيا، حيث تتنافس بورصة لندن مع نيويورك وهونغ كونغ للحصول على قائمة محتملة في الخارج من قبل الشركة (أرامكو)، ومن الممكن أيضاً أن ينتهي الاكتتاب العام كقائمة محلية فقط أو بيع خاص، ألا يُشكل هذا القرار مغامرة قد تنتهي إلى التحكم في القرارت  الاقتصادية على المدى البعيد، لا سيما مع غياب التنوع في الموارد الاقتصادية؟

معظم الباحثين الاقتصاديين المحليين غير راضين على سياسة (خصخصة أرامكو)، ويرون ذلك مغامرة برأسمال الدولة، وبحقوق الأجيال القادمة. معظمهم ايضاً يرى ان لا داعي للخصخصة وبيع جزء أو كل أرامكو للخارج، خاصة وأن الدولة بالكاد استطاعت شراء حصص شركات أمريكية فيها في منتصف الثمانينيات الميلادية الماضية، وبأموال طائلة (لم يُعلن حتى اليوم عن تفاصيلها).

المدهش هو أن أموال الخصخصة لن تُستثمر داخل السعودية، وأيضاً ستُستثمر في مجملها في حقل (الطاقة)، إذن لماذا البيع؟ وقال محللون آخرون ـ بعد مصادرة أموال من اعتبروا مفسدين ـ بأنه لا حاجة الآن الى بيع أرامكو.

والمثير للسخرية، أن النظام الذي يتحدث عن جلب استثمارات من الخارج، هو نفسه لا يستثمر في الداخل، ولا ينوّع استثماراته المزعومة التي لا يعرف المواطنون حجم أموال الدولة المستثمرة ولا من يستثمرها ولا يراقب أداءها.

حتى الآن فإن مشروع الخصخصة لم يبدأ، ولكنه لن يتوقف عند أرامكو، بل معظم مؤسسات الدولة، بما فيها القطاع التعليمي والقطاع الصحي ومعظم الخدمات.

نحن امام تحول هيكلي في الاقتصاد السعودي، عنوانه الأبرز: تحول الدولة من اقتصاد ريعي، إلى اقتصاد ضرائبي، برزت آثاره الكارثية بعد نحو عامين من انطلاقته، وسببت المزيد من البطالة، والفقر، وتحويل الطبقة الوسطى الى طبقة فقيرة والقادم الأسوأ في الطريق.

النظام منذ مجيء سلمان الى الحكم، انتهج سياسات مغامرة في كل الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. إنها مغامرة بمستقبل البلد، وربما بمستقبل آل سعود أنفسهم. عدد المغامرات كبير، والمغامرة قلّما تنجح.

مرآة الجزيرة: نقلت صحيفة عكاظ في عددها الصادر يوم الثلاثاء بتاريخ 6-3-2018 تصريحات ولي العهد محمد بن سلمان تحت عنوان “نظام الملالي نمر من ورق” بأن “التطرف في المجتمع السعودي كان 60% فيما هو الآن لا يتجاوز 10% .”،  فيما نشرت صحيفة سبق، والرياض، وموقع قناة العربية مؤخراً مواد صحفية ذات طابع متطرف لا تختلف عن ما كان يُطرح في السابق، بالإضافة إلى طبيعة التغيير الثقافي في المجتمعات الذي يستغرق سنوات طوال قبل التمكن من اخضاعه للقياس. في هذا التصريح الخطاب موجه للداخل أم للخارج؟ هل يخشى ولي العهد شيئاً ما حتى يصدر مثل هذا التصريح؟ أم هناك ضغوط سياسية خارجية حيال هذا الموضوع؟  

نعم.. السعودية بلد التطرّف، بل مصنع التطرّف، سواء للأفكارأو الأشخاص، أو السياسات.

مصادر التطرف تجدها في أيديولوجية النظام (الوهابية)، بحيث لا يوجد اليوم عنفيين دمويين باسم الإسلام الا ولهم صلة بفكر الوهابية.

ومظاهر التطرف، تجدها بالآلاف من المواطنين الوهابيين الذين يهاجرون من أجل (الجهاد) في كل اصقاع العالم، فيما يستنكفون عن فعل ذلك في بلدهم وضد حكامهم آل سعود!

هذا التطرف ليس بعيداً عن آل سعود، فهم يستخدمونه عنفاً ضد الخارج، وقمعاً للأصوات المخالفة في الداخل.

اما الحديث عن خفض نسبة التطرف ٦٠ بالمائة، فهذا مجرد كلام يُلقى على عواهنة، في بلد لا يوجد فيها حتى مركز دراسات واحد، او مركز يقيس الراي العام.

كل ما يقال عن انخفاض التطرف مجرد كلام. ربما لا يتمظهر التطرف كما كان سابقاً، بسبب ان ال سعود قرروا عدم الاستثمار فيه، وغيروا سياساتهم، اما المتطرفون (الوهابيون) فنظن أن عددهم زاد، على الأقل كرد فعل على سياسات محمد بن سلمان الداخلية.

التطرف كان جزءً من مؤسسات الدولة. والمتطرفون وإن صمتوا، فهم عماد الدولة ورجالها. بعضهم ينافق ويغير قناعاته كلاماً، وبعضهم يصمت، وبعضهم يتحدى فيودع السجن. لكنهم جميعاً حاضرون شاهدون ما يجري. ولا نظن ان ثلاثة أعوام من حكم سلمان وابنه، قد غيّرت القناعات، لأنه لم يتم الإستثمار في (الإقناع) بقدر ما استثمر في (الفرض والإكراه).

سيبقى النظام مصدراً للتطرف، وسيموله بالمال كما يفعل في عدد من البلدان، من اجل استثماره سياسياً. وفي الداخل فإن متطرفي الوهابية حاضرون وإن صمتوا، وحاضرون في الثقافة والتعليم والمنابر وخطب الجمعة والكتابات والكتب والمؤسسات الدينية وغيرها.

لازال التطرف خادماً للنظام، وقد يعود اليه مرة أخرى ان تطلب الأمر. وقد يغير بعض وجهته كما يفعل في بعض الأحيان، حيث تخفف من الخطاب الطائفي ضد المواطنين الشيعة، واستثمر في الخطاب العنصري ضد الحجازيين.

ودعني أقول أخيراً، فإن نظاماً بهذه الأيديولوجية الوهابية، وبهذه السياسات القمعية، وبسياسات الضرائب والإفقار، لا بد ان يبقي التطرف حياً، بل من المؤكد ان هكذا نظام بهذه المواصفات لا بد أن يخلق العنف.

مرآة الجزيرة: يُظهر ولي العهد السعودي استصغاراً واستخفافاً بالخلاف القطري، ونحن على مقربة اكتمال عام كامل على الأزمة الخليجية القطرية دون احراز أي تقدم, مع توافر إشارات واضحة لفشل الوساطة الكويتية، فهل نحن أمام أزمة طويلة الأمد، وكيف تقرأ تصريح الرئيس الأمريكي ترامب الذي يرى وجوب حل الخلافات السياسية مع قطر قبل الاجتماع الذي سيشمل دول الخليج في كامب ديفيد والمتوقع أن يتم في مايو القادم.

ازمة قطر ناتجة ابتداءً من محاولة انقلاب السعودية المسلح ضد الشيخ حمد (والد تميم) عام ١٩٩٦. بعدها عملت قطر على مناكفة السعودية، ونافستها في ملفات إقليمية، وصنعت لها منصة إعلامية ضاربة (قناة الجزيرة)، وربما سعت لدعم معارضين سلفيين ضد الحكم، بل انها سعت للإستثمار في الوهابية بقدر استثمارها في الإخوانية، ما أصاب آل سعود بغضب مجنون!

ما جرى العام الماضي محاولة انقلاب ثانية، تكاد تكون نسخة متطابقة من المحاولة الأولى، نفس الدول المشاركة، ونفس الأساليب والخطط. مازاد هذه المرة هو مباركة ترامب وزوج ابنته اللذين غطيا سياسيا المحاولة السعودية الاماراتية، ودعماها، لولا تدخل وزير الخارجية تيلرسون وماتيس.

أُسقط بيد آل سعود وآل نهيان، وبقي الحصار الذي لن يؤدي الى اسقاط حكم تميم.

لكن إزاحة تيلرسون، ستضعف قطر جداً، وفي ظني ستجد نفسها مجبرة على الخضوع والاستسلام بصورة أو بأخرى في فترة قادمة ليست بعيدة.

مرآة الجزيرة: ما الذي يدفع السعودية إلى استخدام (القوة الناعمة) في العراق عبر البوابة الرياضية والعلاقات الاجتماعية مع القواعد الشعبية ومدّ جسور التواصل مع الأحزاب والكتل الشيعية.. هل هي قناعة بالفشل السياسي والأمني بعد الحرب الأمريكية على العراق 2003؟ ما هي قراءتك لمستقبل العلاقات السياسية بين بغداد والرياض؟

الرياض كانت تخشى أمرين في عراق ما بعد صدام: الديمقراطية، وسيطرة الكتلة الشيعية الأكبر على الحكم. كلا الأمرين بقيا. والرياض عملت على إعادة عقارب الساعة طيلة الفترة الماضية، حيث حاصرت النظام في العراق، إعلاميا وسياسياً واقتصاديا (تهديدها لشركات النفط بعدم الاستثمار في العراق، وبعدها اغراق الأسواق بالنفط الرخيص والذي ارتد على آل سعود).

لم تكتف الرياض بذلك، بل أرسلت شبابها الدواعش والقواعد للعراق للقتال. وصدرت الفتاوى بأن الجهاد ليس في السعودية وانما في العراق، لإقناع بعض افراد القاعدة للخروج من السعودية والقتال في العراق.

الرياض كانت ترى بغداد ملحقاً بطهران. في هذا كانت مخطئة. وحين فشلت في سياساتها واستنفذت كل اوراقها، وخرج العراق منتصراً على داعش، وصار لديها بدل الجيش جيشان (الحشد والجيش النظامي) خشيت الرياض من الانتقام، وخشيت من تسرب المقاتلين الى أراضيها. فأرسلت رئيس هيئة الأركان، واعادت فتح سفارتها.

لكن الرياض لم تتخلص من عقدتها. فهي تريد العراق ان يكون منصّة لمواجهة ايران. هذا ما فعله السفير السابق ثامر السبهان، وهو ما أدى الى طرده. لم تتخلّ الرياض عن خطتها، وما تقوم به اليوم هو محاولة شق صف الأحزاب الشيعية، وتوجيه البوصلة الى مواجهة ايران، أي إعادة المواجهة الايرانية العراقية باعتبار العراق (البوابة الشرقية للأمة العربية)! أي استنساخ العهد والسياسات الصدامية.

لا أظن ان الرياض ستنجح. لكني أدرك ان السياسيين العراقيين منخورين نفسياً، ولا يمكن الثقة بهم. لا يحتاج هؤلاء الى مزيد من المعلومات لمعرفة بوصلة السعودية السياسية، ولكنهم يظنون بأن أبواب الجنة السعودية قد فتحت لهم، ولن يجدوا بنظري سوى السراب والخراب.

مرآة الجزيرة: بعد مضي أكثر من 3 أعوام على العدوان على اليمن، هل هناك أفق لتسوية أو حل سياسي يُوقف الحرب خلال الأشهر القادمة، لاسيما مع وضوح الصراع  السعودي الإماراتي على مناطق جنوب اليمن الاستراتيجية؟  

كلنا يتمنى نهاية لحرب اليمن.

والنظام وحلفاؤه الاماراتيين والأمريكان والإنجليز يكررون مقولة (لا حل للأزمة اليمنية عسكريا). لكنهم عملياً يواصلون الحرب، وليس في نيتهم ايقافها.

في المنعطفات التي يكون فيها رأي عام ضاغط، يجري تنفيس ذلك من خلال مبادرات واحاديث وبث اشاعات بأن الحل السياسي قد اقترب.

الآن هناك مبعوث جديد للأمم المتحدة لليمن؛ وهناك حديث عن وساطة عمانية للحل، ووزير خارجية عمان زار طهران، فهل اقتربنا؟

لا أظن ذلك.

أي حل سياسي للحرب اليمنية، يعني لآل سعود انهم خسروا المعركة او الحرب.

قرار الحرب والسلم أمريكي بدرجة أولى. وأمريكا ليست في عجلة من أمرها، وهي تحلب السعودية (كما بريطانيا) مالياً عبر بيع الأسلحة وتوقيع العقود؛ او سياسياً عبر تسيير الرياض في مسار التطبيع مع إسرائيل وتوسعة دائرة الصراع مع ايران.

أمريكا بصدد التصعيد في المنطقة. في سوريا، وفي ايران. وامامنا الغاء الاتفاق النووي، وهو امر مرجح. وعليه فإن الظرف قد لا يكون مناسباً لأمريكا لحل الأزمة اليمنية. والسعودية تريد ثمناً لمشاركتها ترامب مواجهته لروسيا وايران، ولن يكون الثمن أقل من مواصلة الحرب في اليمن، وإخضاع قطر.

مرآة الجزيرة: في الملف السوري، لا يزال يراهن وزير الخارجية عادل الجبير على أن الحل السياسي في سوريا يتمثل في تنحي الرئيس الأسد عن الحكم، ما الذي يدفع نظام الرياض على الإصرار على التخلص من الرئيس السوري، هل هو تنفيد لرغبة أمريكية إسرائيلية، أم مصلحة سياسية سعودية فقط؟

كان عادل الجبير يصرح بتكرار: الأسد يجب ان يتنحى سلميا والا تمت تنحيته بالقوة. هذا مجرد عنتريات فارغة.

قررت الرياض منذ اكثر من عام التخلّي عن الملف السوري، ولم يكن بإمكانها شيء فعل شيء اكثر من هذا.

كما في ملف العراق خسرت الرياض ملف سوريا. ولم يعد هناك من دور لا للرياض ولا للدوحة، واختزل كل شيء لصالح تركيا، التي عبرها كان السعوديون يقومون بالتخريب.

السعودية تريد تناسي الملف السوري، واذا ظهر تصريح هنا او هناك لعادل الجبير، فلا يجب ان يؤخذ بجدية.

ما تبقى للسعودية في سوريا هو (جيش الإسلام) في الغوطة الشرقية، وتحديداً في دوما. هذا الجيش الوهابي يلفظ بقية أنفاسه الآن، وربما يكون دور السعودية الحالي هو انقاذ افراده، او تحويلهم الى الأردن، ليقاتلوا مجدداً من هناك.

دور آخر كشف عن ترامب، حيث طالب السعوديين بأربعة مليارات لتغطية انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. ونظنه يقصد شمال سوريا، حيث لا أفق للقوات الأمريكية هناك، وسترحل عاجلا ام آجلاً.

لربما يُصار الى تسليم المواقع الأمريكية في الشمال السوري الى تركيا، والتخلي عن الأكراد، كما يحدث عادة، وكأن الأكراد لا يريدون أن يتعلموا درساً واضحاً يتكرر امام اعينهم في العراق وسوريا وفي تركيا ايضاً. فالأمريكي لا يمكن الوثوق به أبداً.

الرياض رغم انكفاءها الشديد في سوريا، تريد بقاء الحرب هناك، وهو ذات الموقف الصهيوني والأمريكي. من وجهة نظرهم يجب ان يبقى النظام في سوريا في حالة صراع داخلي.

على هذا الأساس يُرجّح فتح جبهة درعا، وجبهة مع إسرائيل، وقاعدة (التّنف) على الحدود الأردنية. ستنتقل المعارك الى هناك.

اسقاط الطائرة الإسرائيلية، عوّق الدور الإسرائيلي العسكري الى حد بعيد. والدور السعودي سيكون محدوداً بالدفع المالي، دون مصلحة واضحة لآل سعود في ذلك.

مرآة الجزيرة: في تغريدة لك وصفت ما يقوم به ابن سلمان من بث روح الكراهية، والعنصرية، والطائفية في الداخل والزعم عكسها في الخارج على أنه يقتفي أثر الملك فهد في المزيد من (نجدنة) الدولة ووهبنتها بصورة أو بأخرى، ألا يتعارض هذا مع ما يدعيه ولي العهد في حملة الاعتقالات على الرموز السلفية وقوله “سوف ندمرهم”، وفي المقابل ألم يؤسس الملك عبد الله مركز الحوار الوطني ويعزز حوارت الأديان، كيف تفسر ازدواجية المعايير التي برزت من خلال مواقف ابن سلمان؟

اذا ما تتبعتَ الصحافة المحلية، ستجد ان الحديث عن الشيعة وشتمهم لازال قائماً، حتى ولو انخفض منسوبه، لصالح الأطروحات العنصرية ضد الحجازيين، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي ومشاركة كتاب (معظمهم نجدي الهوية) في ذلك.

ما يطرح من اعتدال وحوار اديان واحترام التنوع الثقافي وما أشبه، كلّه موجّه للخارج، ولا علاقة له بالداخل. في الداخل لم يتغير شيء من سلوكيات النظام ومواقفه، وربما ذهب الى الأسوأ.

فيما يتعلق بقمع الصحويين الوهابيين، فهو لا يعني التخلي عن (الوهابية) خاصة كـ (هوية) للمجتمع النجدي. ولكن لا يُراد لها أن تكون محدداً لـ (السلوك). حتى العلماني والملحد النجدي ليس ضد الوهابية كهوية، ولكنه لا يريد ان تتحكم في سلوكه.

الموجود اليوم والمفروض على المواطنين هو هوية نجدية، أحد أهم عناصرها الثقافية يأتي من (الوهابية) التي يُراد تسييدها على الأكثرية. الوهابية ـ على العكس ـ ليس لديها قدرة على صهر الثقافات الأخرى، بل هي استفزّت الهويات الأخرى، ونمّتها.

الآن ابن سلمان يريد التركيز على (الوطنية السعودية) المزعومة، بقيادة المجتمع المناطقي النجدي نفسه، فكانت النتيجة هي العنصرية والشوفينية الى جانب الطائفية.

عدا عن هذا يجب القول هنا ان النخبة النجدية الحاكمة استشعرت أواخر عهد الملك عبدالله، ان الحكم يكاد يخرج من يدها؛ وهي اليوم تستبشر خيراً بأن محمد بن سلمان بسياساته وقراراته وتعييناته، قد أعاد لها الاستقرار النفسي بأن الحكم ثابت وسيبقى نجدياً، بمعناه السياسي، وبخلفيته الثقافية الوهابية التي فشلوا في تحويلها الى هوية لكل المواطنين.

مرآة الجزيرة:  تشهد العلاقات السعودية التركية مرحلة عدم استقرار سياسي، هل يعود ذلك إلى دورها في الصراعات الإقليمية وبالخصوص عبر دعمها للموقف القطري، مما ينعكس سلباً على العلاقات مع الرياض؟ ثُم ألم تتصرّف الرياض مع الدول الإقليمية مثل لبنان، والأردن بصورة سلبية مما صعد من التوتر السياسي؟ هل تعيش الرياض أزمة شعور باليأس السياسي اتجاه ضمان استمرار تحالفاتها الإقليمية بعد توسع دائرة التوتر بينها وبين دول المنطقة؟

هناك عقدة سعودية من تركيا، وهي عقدة تاريخية، سببها اسقاط العثمانيين للدولة السعودية الأولى، ودعمها آل الرشيد في حائل كحكام لنجد بعد نهاية الدولة السعودية الثانية.

تركيا والسعودية حليفان للغرب. لم يكن للأولى اهتمام بمحيطها العربي في الشرق الأوسط. جلّ همها هو البقاء ضمن منظومة الغرب العسكرية والثقافية، وان استطاعت الاقتصادية والسياسية.

فشلت تركيا ان تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي. واتجهت ـ في عهد اردوغان ـ الى محيطها الشرق أوسطي.

حاولت الرياض ان يكون الدور التركي فاتحة لمواجهة النفوذ الإيراني. لكن الذي حدث هو عكس ذلك، فقد جاء توسع النفوذ التركي على حساب السعودية ومصر، اللتان انزعجتا من ذلك ولازالتا. نذكر بانزعاج الرياض من إعطاء السودان قاعدة لتركيا، وانشاء الأتراك قاعدة لهم في الصومال، وغضبهم من قاعدة تركيا في قطر.

حاولت الرياض ان تجعل تركيا جزءً تافهاً في استراتيجيتها، فقد تمنت ان تكون جزءً من التحالف العدواني على اليمن. لكنها فشلت.

عقدت الرياض ما اسمته بتحالف استراتيجي قبل اقل من عامين، ولكن كان ذلك مجرد حبر على ورق.

الأكثر ان الاعلام السعودية ومنذ وصول اردوغان الى الحكم، لم يتوقف للحظة عن ابداء العداء لتركيا.

الآن فجرها محمد بن سلمان في زيارته لمصر، حين تحدث عن ثالوث الشر: العثماني والإيراني والإرهاب!

الرياض تقلص عدد اصدقائها، وتفتح معارك ليست قادرة على حسم أي منها، ومن المستحيل الانتصار فيها. تركيا وايران اكبر قوتين في الشرق الأوسط، ولا يمكن لدولة مثل السعودية ان تواجههما معا، ولا ان تواجه أي منهما على حدة. تجربة اليمن تكشف حجم القوة السعودية العسكرية والسياسية.

لكن يمكن القول أيضا، ان ابداء العداء لتركيا في الإعلام والسياسة، والتهديد بطرد العمال الأتراك من السعودية، ومقاطعة المنتجات التركية، ان كل هذا قد يكون انعكاساً ليس فقط ليأس السعودية من تخريب العلاقات التركية الإيرانية، او فك ارتباط تركيا مع قطر، أو اجبار تركيا على التخلي عن الإخوان المسلمين.. وإنما ايضاً هو انعكاس لتزايد السخط الغربي على اردوغان، وما قامت به السعودية مجرد إشارة في هذا الإتجاه.

من الغباء فتح الرياض معركة مع تركيا بلا مبررات. لكنه الحمق، في زمن الملك الأحمق وابنه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك