الرئيسية + النشرة + عودة الحريري إلى الرياض: تعبئة ماليّة وإعادة هندسة سياسيّة للبنان

عودة الحريري إلى الرياض: تعبئة ماليّة وإعادة هندسة سياسيّة للبنان

بصورةٍ لولبيّة يمضي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في إعادة جبر انكساراته السياسيّة التي تكبّدها مؤخراً في لبنان، وذلك من خلال نزع الأظافر الخشنة التي غرسها في خاصرة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري واستبدالها بأخرى لامعة تشير عليه عن بعد وفق إملاءات محور الشّر العالمي (اسرائيل – أمريكا)،،،

 زينب فرحات

ما إن وصل موفد ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز المستشار في الديوان الملكي نزار العلولا إلى بيروت في 26 شباط الماضي، حتى طار الحريري إلى الرياض، غير أن هذه المرّة استُقبل الأخير بحفاوةٍ تشي بآمال السعودية لإعادة حشر الذراع السياسية الغليظة في لبنان بعد أن توتّرت العلاقات بين الحريري ومحمد بن سلمان عقب احتجازه بالرياض في 4 نوفمبر الفائت.

عينُ محمد بن سلمان الحمراء على حزب الله، فيما أنّ عين الحريري دامعة على الإنتخابات النيابية المُقبلة، وبهذه المعادلة عاد وتموضع الحريري في حضن الرياض، وبطبيعة المنطق السياسي فإنه لا إعطاء دون مقابل، حيث أن عودة الأخير إلى ما قبل نوفمبر 2017 وبحفاوة سعودية لافتة أمرٌ جدير بالمتابعة لمواكبة طرق السعودية الملتوية في نهش الساحة اللبنانية سياسياً ولكن هذه المرّة بنعومة، مع العلم أن الحريري ومنذ لحظة إطلاق صراحه انتهج سياسة النأي بالنفس عن مختلف أزمات الداخل والخارج، وحرص على التزام الصمت حيال كل ما واجهه، لا بل أنه لم يفوّت فرصة للإشادة بدور المملكة في ” تثبيت إستقرار لبنان”، الأمر الذي يدل على أن مخطط الرياض ليس مستجدّاً.

الإنتخابات النيابية اللبنانية المقرّر إجرائها في 6 أيار المقبل، تعد بمثابة فرصة ذهبية لإعادة استثمارات الرياض السياسية في لبنان، وتنفيذ أجنداتها بهمسٍ أمريكي – “إسرائيلي”. التضييق على حزب الله هو غاية محور الشر (على الأقل في الوقت الراهن) طالما أن حزب الله تحوّل إلى لاعب إقليمي يشكّل خطراً وجودياً على حليفة السعودية “اسرائيل” وأصدقائها وأدواتها(الجماعات الإرهابية) في المنطقة.

شكاوى الضائقة الماليّة سبقت صاحبها (سعد الحريري) إلى الرياض عبر حلفائه المقرّبين من المملكة، مرفقةً بتهويلٍ مفبرك خشية إمساك حزب الله بالأكثرية المطلقة في البرلمان المنتخب (النصف + 1) في ظل انهيار قوى 14 آذار عقب الإنتخابات النيابية عام 2009، وبالتالي اندثار التيار الأزرق أو في أفضل الأحوال استدارته نحو حزب الله والتيار الوطني الحر اللذين لعبا دوراً بارزاً في عودة الحريري سالماً إلى لبنان في 22 نوفمبر الماضي، الأمر الذي جعل السعودية تعيد قراءة الواقع اللبناني بتمهّل لاسترجاع نفوذها فيه بليونةٍ تامّة.

ملأت السعودية جيوب الحريري بالأموال منها ما تلقّاها في حسابه شخصياً ومنها ما دخل لبنان على هيئة استثمارات جديدة، إذ أنه وفقاً لما كشفته صحيفة الديار اللبنانية، مُنح الحريري مشاريعاً بنائية وكُلّف بصيانة قصر لويس الخامس عشر(300 مليون يورو) الذي اشتراه بن؛ سلمان ويخته الشهير (550 مليون دولار)، حيث يُقدّر أن تتراوح أرباح هذه المشاريع من 200 إلى 250 مليون دولار خلال 2018، وذلك بالإضافة إلى تخصيص هبة مالية لخوض الإنتخابات النيابية بقيمة 400 مليون دولار سيستثمرها الحريري في تقديم الرشاوى وشراء أصوات إنتخابيّة.

أما لبنانيّاً فقد بدت واضحة آمال الحريري بوعود مؤتمرات الدعم الدولية التى تبدأ بمؤتمر “روما 2” الهادف إلى دعم وتسليح القوات الأمنية والعسكرية في لبنان حيث كان من المقرر أن تعقده ايطاليا في حزيران المقبل إلا أنه ولسبب ما جرى تقديم انعقاده إلى 15 مارس الجاري بضغطٍ فرنسي، وأيضاً التشديد على الإلتزام بمؤتمر “سيدر” في إبريل المقبل، الذي يشتمل على مشاريع واستثمارات تتخطى 220 مشروع خدماتي في قطاعات النقل و​المياه​ و​الكهرباء​ و النفايات الصلبة وغيرها من المشاريع، تفوق ميزانيتها ال16 مليار دولار وفقاً لتصريحات سعد الحريري.

في المقابل، تشرّطت السعودية على سعد الحريري الإنصياع إليها في عدّة أمور، الأول وهو قطع العلاقات نهائياً مع حزب الله وعدم التحالف معه في أي دائرة انتخابيّة، الأمر الذي أعلنه الحريري صراحةً قبيل مغادرته بيروت إلى الرياض، وأيضاً اقتران حذر بالتيار الوطني الحر يقتصر على دائرتين أو ثلاثة علماً أن الطرفين كانا قد اتفقا سابقاً على التحالف في كل لبنان، إلى جانب خوض الإنتخابات النيابية بالتشارك مع حزب التقدمي الإشتراكي في كافة الدوائر المشتركة بينهما والبقاء على علاقات وتحالفات استراتيجية مع القوات اللبنانية، أما الإشتراط الأشد خطورة هو لملمة أطراف 14 آذار وإعادة إحيائه وهو الفريق الذي عُرف بالضغط على الوتر الطائفي وإثارة الفتن والنعرات ضد حزب الله، وكذلك قطع الطريق أمام سيطرة فريق الممانعة (حزب الله وحلفائه) على القرار السياسي في لبنان والتعامل مع الإستحقاق الإنتخابي على أساس عدم “سيطرة حزب الله على الأغلبية النيابية” في المجلس المقبل.

إملاءات الرياض على الحريري تقاطعت بقوّة مع مصالح العدو الصهيوني، حيث أنه من جملة شروط الرياض هو الضغط على حزب الله لقبول الإقتراح الأمريكي لحل النزاع بين لبنان والكيان الصهيوني على ملف بلوك 9، وبلوك رقم 9 لمن لا يعرفه هو جزء من مساحة مائية في لبنان غنية بالغاز الطبيعي والنفط، وهي موضع نزاع مع الكيان الإسرائيلي بفعل وقوعها بمحاذاته، إذ تبلغ مساحتها (854 كم٢)، في حين تزعم “اسرائيل” أن هذه المياه الإقليميّة تابعة لها أما الإقتراح الأمريكي فيقضي بمنح ثلثي المياه إلى لبنان والثلث الباقي لحكومة الإحتلال (عُدّلت النسبة فيما بعد إلى 25%).

ووفقاً لمصادر صحفية مطّلعة فإن تعليق الحريري على الأمر بدا إيجابياً، حيث قال أنه والرئيس اللبناني ميشال عون مع الحل الأمريكي في حين أن رئيس مجلس النواب نبيه بري معارض بشدّة ويدعم موقف حزب الله القاضي بالرفض المطلق، وكذلك فإن عون لن يمضي قدماً إذ ما عارض حزب الله الأمر، وبالتالي فإنه (الحريري) لن يتحمل عبء النتائج لوحده في حال حاول تقليب الحلفاء على موقف حزب الله، غير أن الأيام المقبلة لا شكّ في أنها ستكشف الكثير عن حجم انصياع الحريري لرغبة الرياض ومدى تورّطه في هذا الملف.

وبالطبع فإنه ليس من باب المصادفة انطلاق مؤتمر “تفكيك شيفرة حزب الله” في العاصمة أبو ظبي، عقب ترتيب العلاقات السعودية الرسمية مع لبنان، وعلى بعد شهرين من الإنتخابات النيابية المقبلة، المؤتمر نظمه مركز الإمارات للسياسات في 27 فبراير الماضي بمشاركة مجموعة من “الخبراء والأكاديميين”، هم في الواقع قائمين بالأعمال الإسرائيلية في العالم العربي ولا سيما لبنان.

تمعّن كل من حضر المؤتمر بتركيبة حزب الله، أُحبطت آمالهم بفهمها فقرروا “تفكيكها” عبر القضاء عليه، جاء في المؤتمر اقتراحات واقعية نوعاً ما كمطالبة الدولة اللبنانية بالضغط على حزب الله سياسياً واقتصادياً، وأخرى سريالية تتمثل في القضاء على حزب الله وضربه عسكرياً إلا أن أخطر ما جاء فيه هو أمرين الأول هو الضغط على حزب الله خدماتيّاً وبصورة أوضح ضخ ميزانية مالية ضخمة لإنشاء مشاريع خدماتية (ممولة سعودياً ودولياً) في لبنان والتصويب على حزب الله عبر اتّهامه بالفساد والتقصير إنمائياً بغية تراجع قاعدته الشعبية، والأمر الثاني استهداف مجتمع حزب الله ثقافياً وتربوياً بالقيم العقائدية والأخلاقية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وما سواها من الأساليب الناعمة(المشروع الأمريكي).

توقيت مؤتمر الإمارات، دليل واضح على هندسة سعودية جديدة لإعادة تشكيل الواقع السياسي في لبنان، أما أنه لمَ في الإمارات وليس في السعودية مثلاً، ولمَ لم تتصدّر واجهته الشخصيات السعودية الموتورة، فما هي إلا حركات تمويهيّة لإبعاد النظر عن مآرب الرياض وتل أبيب، القاضية بمحاصرة حزب الله ونزع سلاحه “شديد الخطورة” الذي حمى اللبنانيين كافةً على مختلف طوائفهم وخياراتهم السياسية في كلّ مرة شنّ فيها الكيان الصهيوني حرباً دامية على لبنان، وفي حين أنّ المؤتمر لم يزل بعيداً عن المشهد السياسي إلا أنه ليس مستبعداً أن نرتقب في الأيام القادمة تيارات سياسية لبنانية تتناغم مع مقترحاته وفي مقدّمتها تلك التي لديها تاريخاً غير مشرّفٍ بتطبيع العلاقات مع السعودية و”إسرائيل”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك