الرئيسية - مقالات وأراء - مقالات - زلزال السيفيْن والنخلة

زلزال السيفيْن والنخلة

نواف التميمي

سأل أحدهم، بفضول، عن مغزى السيفين والنخلة في علم المملكة العربية السعودية، فجاء الجواب من أحد فقهاء التشريع والتشريح إن شعار السيفين والنخلة هو التعبير “السعودي” لمفهوم “العصا والجزرة” الحداثي. وفي التفصيل أنه لا خيار في المملكة إلا بين السيف لكل معارض، مخالف، خارج على ولاة الأمر، والنخيل بكل ما يعنيه من رغد العيش والثراء، لكل مطيع، مطواع، مواظبٍ على تقديم آيات الولاء لأولياء النعمة.

منذ عبد العزيز آل سعود، أول ملك للسعودية، ومؤسس المملكة بشكلها الحديث في سبتمبر/ أيلول 1932، امتازت السياسات الداخلية والخارجية لحكام السعودية، في جانبها الأكبر، بالهدوء والتكتم. حتى في أشد لحظات الخطر، دأب أبناء الملك المُؤسس من سعود إلى عبدالله، مروراً بالملوك فيصل، وخالد، وفهد، على معالجة أسخن الملفات وراء أبواب موصدةٍ بالتكتم، وخلف أسوار عالية السرية. لم يكن حكام السعودية يميلون إلى “نشر الغسيل” على أسطح القصور. هذا لا يعني أن البيت السعودي الداخلي كان على ما يرام، من دون مناكافات أو دسائس. ولا يعني أن الدولة كانت منعزلة أو معزولة. بل ظلت السعودية لاعباً أساسياً في ملفات المنطقة، تتأثر بما حولها، وتؤثر فيه. ولم تخل القصور الملكية والأميرية من حكايات الغيرة، والحسد، والغدر، والانتقام.

وبدلاً من دبلوماسية “حد السيف” الساخنة، كان حكام السعودية يغلّبون دبلوماسية “النخلة” أو “البترودولار” الباردة، لاستمالة الحلفاء، وتحييد الخصوم، وحجز مكان لبلادهم في تعقيدات الملفات الإقليمية والدولية. وداخلياً، كان حكام السعودية يغلّبون نخلة “توزيع الثروة والدولة” على حراب التخاصم والمناكفة. وهكذا حافظ أبناء الملك عبد العزيز على إرث والدهم، بالنخيل، لا بالسيف. وإن حضر الأخير في لحظات تاريخية قصيرة، إلا أنها حضر أكثر في رقصات “العرضة” الفولكلورية.

بالنظر إلى ما يجري هذه الأيام في الرياض، وما يجري في ردهات (وغرف) سجن “الريتز كارلتون” غير البعيد عن قصر اليمامة، واشتداد حملات الإقصاء والاعتقال والتوقيف، وربما التصفية الجسدية، يتساءل مراقبون عما إذا كان زمن “النخلة” السعودي قد انتهى، ليطل عهد “السيف” الذي ظل في غمده عقوداً طويلة. وهل اختار رجل المرحلة القوي، ولي العهد، والملك غير المتوّج بعد، محمد بن سلمان، ضرب خصومه ومنافسيه بحد السيف، بدلاً من استرضائهم، أو شراء ولاءاتهم بالنخيل.

يبدو أن علم الملك غير المتوّج بعد ليس فيه نخلة، فالرجل استهل عهده الذي بدأ مستعجلاً، بالضرب بسيفٍ حاد، استلّه من غمده ليبطش بأقرب الناس إليه. أشهر الملك القادم سيفه البتَّار ليضرب أعناقاً يراها أينعت، وحان قطافها، مُعلناً على الملأ أنه صاحبها. وتحت راية القضاء على الفساد، ومحاربة الإرهاب، ومناهضة التطرّف، حَكّمَ محمد بن سلمان سيفه في رقاب عشرات الأمراء، والوزراء، وعلماء الدين، ورجال المال والأعمال والإعلام. في ليلةٍ لا فجر قريباً لها، وجد من كانوا بالأمس أركان الحكم أنفسهم نائمين على فرشات اسفنج، في معتقل “الريتز كارلتون”، وقد أُعدت لهم، من دون مقبلات، وجبات اتهام دسمة، قوامها الفساد واستغلال المنصب وغسل الأموال.

على مستوى السياسة الخارجية، كأن الملك غير المتوّج بعد لم يكتف بما فعله “سيف الحزم” في رقاب اليمنيين، حتى أخذ يهدّد بسيوف الحرب إيران مرة، ومرة أخرى قطر، وما بينهما تهديدات يطلقها وزيره ثامر السبهان في وجه لبنان، وأخرى يطلقها وزيره عادل الجبير في وجه الحوثيين، من دون نسيان سيوف المستشار سعود القحطاني، خبير “الخبط العشوائي”. وحدهما إسرائيل والولايات المتحدة تحظيان بما تبقّى من “النخيل” السعودي.

مع أن ولي العهد السعودي، يلوّح أحياناً بـ “نخيل” جزيرة نيوم، إلا أن صليل السيوف القادم من مملكة الصمت يظل مخيفاً، ينذر بزلزال، يُخشى أن تأتي حممه الطائشة على ما بناه السعوديون منذ العام 1932، وأن يتطاير شررُه الأعمى الى الإقليم المشتعل أصلاً، فيُذكي نيرانه وخرابه. وآنذاك، سنبكي جميعاً على نخيل السعودية، كما بكينا بلح اليمن، وعنب الشام.

العربي

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك