تحليلات

«ستراتفور»: «نيوم» مخاطرة اقتصادية إجبارية.. لكن نجاحها غير مضمون

 

إن قرار المملكة العربية السعودية بإنشاء مشروع نيوم، وهي مدينة مستقبلية على ساحل البحر الأحمر، يشكل مخاطرة لابد لها أن تخوضها.

إن مشروع نيوم، وهو مشروع لمدينة مقترحة على ساحل البحر الأحمر تمتد من المملكة العربية السعودية إلى مصر والأردن، يهدف إلى أن يصبح مركزا رئيسيا للتكنولوجيات الناشئة والتنمية الحضرية. ومع ذلك، ليس هناك ما يضمن أن موقع هذا المركز سيضمن ميزة تنافسية على المراكز التجارية الأخرى مثل دبي وسنغافورة أو بقية مراكز التصنيع المتقدمة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. ومع ذلك، ستبذل المملكة العربية السعودية كل ما في وسعها لخلق نموذج اقتصادي أكثر استدامة، كما أن تأمين مشاريعها الاستثمارية هو جزء من تلك الجهود.

وتمهد المملكة العربية السعودية الطريق أمام اقتصاد أكثر تنوعا. وقد بدأت البلاد مبادرة الاستثمار المستقبلى يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول على أمل تعزيز جهودها لاجتذاب الاستثمارات الاجنبية. وكانت جوهرة التاج لهذا الحدث تتمثل في الكشف عن مشروع نيوم بقيمة 500 مليار دولار من قبل ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان». ويهدف المشروع إلى تطوير 26،500 كيلومتر مربع في شمال غرب المملكة العربية السعودية ضمن منطقة اقتصادية مستقلة تمتد إلى مصر والأردن.

إنها خطة طموحة يمكن أن تضع السعودية على الخريطة كدولة رائدة في تطوير مدن المستقبل باستخدام التكنولوجيات الجديدة التي لا توجد في مدن أخرى. ولكن هناك العديد من المخاطر: لا يوجد ضمان بأن هذه المدينة سوف تنجح، أو حتى تكتمل كما أثبتت المحاولات السعودية السابقة لبناء المدن. ومع ذلك، يجب على الحكومة في الرياض أن تفعل شيئا لتنشيط نموذجها الاقتصادي، والمدن المستقبلية هي السبيل لذلك.

تجسيد الرؤية
وباستخدام استثمارات من صندوق الاستثمار العام في البلاد، والاستثمار الخاص، فإن مشروع نيوم سيكون بمثابة نقطة الدخول لجسر الملك سلمان المخطط له والذي سيعبر البحر الأحمر عبر جزر تيران وصنافير إلى مصر. وباعتبارها منطقة اقتصادية متميزة تمتد على ثلاثة بلدان، سيكون لدى نيوم قوانينها الخاصة، وضرائبها وأنظمتها.

وستركز المدينة على تسعة قطاعات استثمارية: الطاقة والمياه، والتنقل، والتكنولوجيا الحيوية، والغذاء، والخدمات التكنولوجية والرقمية، والتصنيع المتقدم، والإعلام، والترفيه، وظروف المعيشة. ولكن ما يميز مشروع نيوم بعيدا عن المدن الكبرى الأخرى هو تركيزه على استخدام التقنيات حيث ستكون جميع الخدمات والعمليات «مؤتمتة» بالكامل، في حين أن الروبوتات، والتي قد تتجاوز فيما يبدو عدد سكان نيوم ستتعامل مع المهام المتكررة والشاقة. وستكون المدينة مدعومة بالكامل بالكهرباء المشتقة من مصادر متجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وتأمل المملكة العربية السعودية في محاكاة أسباب نجاح المراكز العالمية في سنغافورة ودبي من خلال تطبيق نموذج مماثل على موقع بالقرب من قناة السويس. وهي لا تمثل نقطة اختناق رئيسية للتجارة العالمية فحسب، وإنما تقع أيضا في وسط طرق الطيران التي تربط أوروبا وآسيا وأفريقيا؛ حيث مفترق طرق يبعد فقط ثمان ساعات عن 70 في المئة من سكان العالم جوا. ومع الكثير من حركة المرور والكثير من التكنولوجيات الناشئة لجذب الاستثمار الأجنبي، يمكن أن يكون لدى المدينة إمكانات هائلة.

ومع ذلك، فإن نيوم ليست أول مدينة ضخمة حديثة حاولت السعودية بناءها على مدى العقد الماضي. فقد بدأت الحكومة السعودية في بناء مدينة الملك عبدالله الاقتصادية خارج جدة على ساحل البحر الأحمر في عام 2005 بتكاليف أولية تبلغ 100 مليار دولار. واليوم، لا تزال المدينة تحت الإنشاء وتحتاج إلى مليارات من الدولارات للانتهاء منها، وذلك بعد أن طبقت عدة تغييرات على خطتها الأصلية منذ أن بدأت عملية التنمية. وبالإضافة إلى ذلك، بدأ صندوق الاستثمارات العامة مشروعا آخر أعلن عنه سابقا والذي سيصبح في نهاية المطاف مدينة ترفيهية خارج الرياض. ويبدو أن جذب القوى العاملة ورأسمالها واستثمارها لتطوير نيوم وعدد من المبادرات الأخرى التي تشكل خطة الرؤية السعودية 2030 سيكون صعبا.

التحضير للمستقبل الجديد
في حين أن الأمر سيكون صعبا، فإن السعودية ليس لديها خيار سوى محاولة فعل شيء جديد. وإذا كانت الحكومة قد تعلمت من التقلبات الأخيرة في أسعار النفط فإنه يتعين عليها تغيير نموذجها الاقتصادي من نموذج معتمد على عائدات النفط إلى شيء أكثر استدامة على مدى العقود القليلة المقبلة. تحتاج المملكة العربية السعودية إلى استخدام رأسمالها في وقت لا يزال لديها فيه فرصة للاستفادة من نقاط قوتها كبلد صحراوي يتميز بوجود النفط والرياح وأشعة الشمس كما يمكنها الاستفادة من موقعها من خلال إنشاء مراكز تصنيع حديثة مثل مشروع نيوم. حيث أن هناك عدد قليل من المدن القائمة التي يمكن أن تستفيد استفادة كاملة من التكنولوجيات الجديدة التي تحدث ثورة في التنمية الحضرية، وذلك أساسا لأن التصاميم العتيقة وتخطيطات معظم المدن تعرقل تلك الجهود. إن اكتساب الخبرة القيمة في بناء مدينة مستقبلية من الصفر يمكن أن تصبح الميزة التنافسية السعودية. وليس من الواضح ما إذا كانت نيوم ستنجح في موقعها المخطط. إنها مخاطرة، ولكن على المملكة العربية السعودية أن تدخلها.

وتحاول المملكة العربية السعودية أيضا تحسين صورتها وتقديم نفسها للعالم كمقصد استثماري آمن من خلال الحد من احتمالات الاضطرابات والعنف الداخلي خلال التغيرات الاقتصادية الحرجة. وللحماية من هذه المخاطر، تسعى السعودية إلى الحد من علاقاتها مع الجماعات المتطرفة والحد من التطرف على نطاق أوسع. وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه ولي العهد عن مشروع نيوم، قال إن المملكة العربية السعودية «ستعيد… الإسلام المعتدل، المنفتح على العالم والشعوب الأخرى”. وهذا بيان هام للمملكة العربية السعودية وجيرانها المباشرين نظرا لتاريخ المملكة».

فمنذ تأسيسها في عام 1932، أيدت المملكة العربية السعودية تفسيرا أكثر تحفظا للإسلام بفضل التعاون الذي كان قائما بين رجال الدين الوهابيين ومجلس الحكم السعودي. وقد حددت هذه التفسيرات المحافظة للإسلام نظام التعليم السعودي، والذي انتقده الكثيرون لكونه يجعل الطلاب عرضة لمدارس الفكر «المتطرفة». وتلعب هيئة العلماء دورا هاما في الخطاب الإسلامي الإقليمي أيضا، حيث تعتبر أحكامهم الدينية أو فتاواهم؛ وإشرافهم على مكة والمدينة المنورة؛ وتفسيراتهم للحديث، أو النصوص الدينية، مؤثرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. ويأتي بيان ولي العهد أيضا بعد مرسوم ملكي صدر مؤخرا بإنشاء مجمع الملك سلمان في المدينة المنورة لمراجعة النصوص الدينية لمنع نشر التفسيرات «المتطرفة» على الصعيد العالمي. وهذه التحركات هي محاولات سعودية لوضع البلاد على رأس الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب وتأكيد دورها كزعيم للعالم الإسلامي.

 

الخليج الجديد

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى