تحليلات

«فورين أفيرز»: التحالفات الأمنية.. أداة الرياض للهيمنة على المنطقة؟

 

منذ 2015، سعت السعودية إلى تعزيز قوتها الإقليمية عبر إنشاء تحالفات وائتلافات متعددة الأطراف، تشارك فيها دول عربية وإسلامية وحتى غير إسلامية تحت قيادتها.

وكان أولها التحالف العربي في اليمن، الذي تم إطلاقه في مارس/آذار 2015.

وأعقب ذلك، في ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، إطلاق التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب.

وآخرها الائتلاف المناهض لقطر، الذي أنشئ في يونيو/حزيران 2017، لإجبار منافسة السعودية منذ فترة طويلة في مجلس التعاون الخليجي على أن تتماشى مع رؤيتها الاستراتيجية.

وفي الأسبوع الماضي، استضافت البحرين، بالتعاون مع التحالف العربي في اليمن والتحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب، أول مؤتمر للتحالفات العسكرية في الشرق الأوسط.

ويهدف المؤتمر، المعروف باسم «ميماك»، إلى تسليط الضوء على «الدور الحاسم للتحالفات في الدفاع والأمن الجماعي في المنطقة»، على حد تعبير رئيس الحدث.

وكان من بين المتحدثين في المؤتمر شخصيات عسكرية رفيعة حالية وسابقة من البحرين والأردن وماليزيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، بما في ذلك النائب السابق لقائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) «روبرت هاروارد»، وقائد الناتو السابق «ويسلي كلارك»، الذي ترأس المؤتمر.

وتتسم التحالفات الثلاثة التي تقودها السعودية بالمرونة العالية، ولا يتوقع المشاركون فيها أن يؤدي ذلك إلى إقامة علاقة مؤسسية دائمة.

ورغم أن مهامها التشغيلية ليست محدودة في نطاقها، إلا أنها خاصة بمسائل محددة.

وتقتصر مهمة التحالف في اليمن على شن حرب ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والمتمردين الحوثيين، الذين ينظر إليهم على أنهم وكلاء لإيران.

ويهدف وزير الدفاع السعودي «محمد بن سلمان» إلى المساعدة في تنسيق ودعم العمليات العسكرية في مجال مكافحة الإرهاب.

وأخيرا، على الرغم من عدم قصر المدة، يمكن أيضا حل هذه التحالفات من قبل الراغبين في ذلك بمجرد تحقيق الهدف.

وتشترك هذه التحالفات في سمة هامة أخرى إلى جانب السمة غير الرسمية؛ فالعضوية تتعدى المنطقة الجغرافية.

إذ يضم التحالف في اليمن، المغرب والسنغال وحتى الولايات المتحدة، وهي دول تقع على بعد بين 3 آلاف وخمسمائة إلى 5 آلاف ميل من البلد الذي مزقته الحرب.

وفي الوقت نفسه، قال التحالف الإسلامي إنه بدأ بأكثر من 30 عضوا عند إطلاقه، ويصل عددهم حاليا إلى نحو الـ40.

ويقع أكثر من نصف أعضاء هذا التحالف، 22 دولة، على بعد أكثر من 1200 ميل من مقر التحالف في الرياض.

لماذا هذه التحالفات؟
وهناك عدة أسباب وراء استعداد السعودية لاستثمار مصداقيتها ورأس مالها المالي والسياسي والعسكري في أطر غير رسمية مثل التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب، الذي يفصل بين أعضائه آلاف الأميال، ناهيك عن اختلاف المصالح العسكرية.

السبب الأول: هو فشل السعودية في تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى منظمة أمنية إقليمية فعالة تحت إشرافها وسيطرتها.

ومنذ نشأة المجلس في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، طرحت الرياض عدة مقترحات لتحويله إلى تحالف أمني جماعي. ورفض غالبية الشركاء، الكويت وعمان وقطر وحتى حليفها الحالي، الإمارات، هذا من قبل؛ خشية أن تحاول السعودية استغلال المخاوف الأمنية المشروعة لتعزيز مصالحها الخاصة وتوسيع نفوذها عبر المنطقة.

وفي أعقاب الربيع العربي، تجددت الفكرة؛ حيث حذر العاهل السعودي الراحل الملك «عبدالله بن عبدالعزيز»، في ديسمبر/كانون الأول 2011، دول مجلس التعاون الخليجي، الذين لم يؤيدوا اقتراحه بتعميق التكامل، بأنهم سيجدون أنفسهم «متخلفين عن درب القافلة» وقد «يضيعون».

ومنذ وصوله إلى السلطة في يناير/كانون الثاني 2015، كان الملك السعودي «سلمان بن عبدالعزيز»، ونجله «محمد بن سلمان»، أقل استعدادا للتسامح مع الحدود التي وضعها الشركاء في مجلس التعاون الخليجي حول خطط الأمن الجماعي.

وهذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها المملكة على عقد التحالفات غير الرسمية إذا شعرت بالإحباط تجاه شركائها التقليديين.

ففي 1988، في نهاية الحرب الإيرانية العراقية، حاول السعوديون تعزيز أمن الخليج عن طريق الاقتراب من مصر والأردن.

وبعد طرد القوات العراقية من الكويت مطلع 1991، تم النظر بجدية في دعوة القوات المصرية والسورية إلى الخليج بموجب إعلان دمشق.

وفي 2011، دعت الرياض الأردن والمغرب للانضمام إلى مجلس تعاون خليجي موسع، للتعامل مع تداعيات الربيع العربي. وكما أشار أحد الخبراء في ذلك الوقت، كانت هذه الخطوة محاولة لتحويل المجلس من «كتلة دون إقليمية إلى تحالف دولي».

وفي 2014، قدمت الرياض اقتراحا آخرا، وهذه المرة لجلب مصر، فضلا عن الأردن والمغرب، إلى إطار أمني أكثر تكاملا لمجلس التعاون الخليجي.

ووفقا لهذا، يمكن اعتبار الدعم السعودي للتحالفات الأمنية غير الرسمية دلالة على إحباط المملكة المتزايد تجاه أحد القيود الرئيسية للعضوية في مجلس التعاون الخليجي، ألا وهي عدم قدرتها على توسيع المنظمة خارج نطاق الممالك التأسيسية الستة.

وتمتلك السعودية أكبر عدد من السكان في الخليج العربي، وتملك كذلك الجيش الأكبر، والكثير من النفط. لكن في معظم تاريخها، كانت حذرة في الشؤون العسكرية والأمنية.

ومثل قرارها بنشر قوة عسكرية بقيادتها إلى البحرين، في مارس/آذار 2011، تحولا إلى منعطف جديد.

وقد أبرزت المشاركة اللاحقة في سوريا في عهد الملك «عبدالله» واليمن في ظل حكم الملك «سلمان» هذا الاستعداد السعودي الجديد لتحمل المخاطر واستخدام القوة خارج حدودها.

السبب الثاني: لإنشاء تحالفات غير رسمية هو خيبة الأمل السعودية من الولايات المتحدة كضامن أمني، منذ الربيع العربي.

ووفقا للمسؤولين السعوديين، فقد تبخر إيمان الملك «عبدالله» بواشنطن تماما بعد أن طلبت إدارة الرئيس الأمريكي السابق «بارك أوباما» من الرئيس المصري الأسبق «حسني مبارك» التخلي عن السلطة في مصر، بعد أيام فقط من الاحتجاجات الشعبية مطلع 2011. وكذلك التوبيخ العام للأسرة الحاكمة في البحرين.

وتفاقمت هذه التوترات بسبب التصور المتزايد لإدارة «أوباما» كحليف غير موثوق به، بعدما لم يبد رغبة في الوقوف أمام نظام «بشار الأسد» في سوريا، أو الميليشيات الشيعية في العراق، أو إيران بشأن القضية النووية.

وتسبب رفض الإدارة الأمريكية عشية قمة كامب ديفيد في مايو/أيار 2015، أي بعد شهرين من ولادة الائتلاف اليمني وقبل 6 أشهر من إطلاق التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب، أن تقدم للخليج العربي ضمانة أمنية رسمية مثل تلك المقدمة لشركاء الناتو، في زيادة الأمور سوءا.

وفي الداخل، كان تبني السعودية لتحالفات أمنية غير رسمية، بشكل جديد وغير مسبوق، مصدرا للاعتزاز الوطني.

وفي الخارج، على المدى القصير على الأقل، كان لذلك تأثير إيجابي على مكانة المملكة.

وحظي قرار استبعاد إيران والعراق وسوريا من عضوية الحركة بثناء أولئك الذين يعيشون في العالم العربي السني ويشعرون بأنهم مهددون من قبل إيران والمجموعات التي تسيطر عليها.

وعلى الأقل في مراحله الأولى، أضاف التدخل الذي تقوده السعودية في اليمن أيضا نفوذا سعوديا في العالم الإسلامي الأوسع.

وفي اجتماع لمنظمة التعاون الإسلامي في أبريل/نيسان 2016، أي بعد شهر واحد من بدء الحرب في اليمن، حصل السعوديون على دعم أغلبية القادة المسلمين في العالم لقرار يدين سلوك إيران هناك وفي العالم العربي بشكل عام.

تحالفات قابلة للبقاء أم لا؟
وبعيدا عن هذه الانتصارات الدبلوماسية والسياسية الأولية، فإن السؤال الرئيسي من المنظور السعودي هو: ما إذا كان خيار التحالف الأمني ​​غير الرسمي قابلا للتطبيق على المدى الطويل؟، وما إذا كان من الممكن تطويره، إذا ما نجح، إلى حل أمني فعال في المعركة ضد إيران ووكلائها، وكذلك الجماعات السنية الراديكالية مثل تنظيم الدولة الإسلامية؟.

ومن الناحية النظرية، يعتمد ذلك على ما إذا كانت السعودية قادرة على الوفاء بالتزاماتها كفاعل قوي في تحالف أمني، وتوطيد السيطرة السياسية والعسكرية على مشروعها الرائد، التحالف العسكري لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط.

وعلى الصعيد السياسي، يعتمد النجاح السعودي على ما إذا كان شركاؤها في التحالف يقبلون رؤيتها.

وفي المنظمات الإقليمية الرسمية، مثل مجلس التعاون الخليجي أو الاتحاد الأوروبي، غالبا ما تظهر شرعية الفاعل المهيمن في الوثائق القانونية، مثل المعاهدات أو البروتوكولات.

ونادرا ما توجد مثل هذه الوثائق في تحالف غير رسمي، مثل التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب.

وأدى عدم وجود وثائق رسمية إلى تعقيد الجهود التي يبذلها القادة السعوديون لوضع استراتيجية، وإظهار توافق الآراء. وعلى وجه الخصوص، جعلت من الصعب عليهم الإشارة إلى أي خطط عسكرية تحالفية ملموسة في المستقبل.

ومن المؤكد أن الهوية الإسلامية المشتركة قد توفر للمملكة، مسقط رأس النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وموطن أقدس المدن الإسلامية، الوسائل اللازمة لتعزيز شرعيتها ورؤيتها.

ومن بين أعضاء منظمة التعاون الإسلامي البالغ عددهم 57 عضوا، انضم 33 عضوا إلى التحالف عند إطلاقه.

وانضمت عمان، وهي أيضا عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي، بعد ذلك بعام.

ومع ذلك، ليس كل أعضاء التحالف من المسلمين؛ فهناك بنين وكوت ديفوار والغابون، وهي دول ذات أغلبية مسيحية.

ويثير هذا تساؤلا عما إذا كان بعض الأعضاء ينظرون في المشاركة في التحالف إلى شروط المعاملات وليس الوحدة الأيديولوجية.

لكن السنغال والسودان لديهما أكثر من 90% من سكانهما من المسلمون. وكلا البلدين عضو في الائتلاف في اليمن والتحالف العسكري. وبرر كل منهما قراره بإرسال قوات إلى اليمن بسبب التزامهما بالدفاع عن أرض الحرمين الشريفين في المملكة. لكنهم تلقوا أيضا دعما سعوديا بمليارات الدولارات مقابل مشاركتهم العسكرية هناك.

وبصرف النظر عن الاستفادة من الهبات السعودية، يمكن للتحالف غير الرسمي أيضا أن يضم الأعضاء الضعفاء على وجه التحديد؛ لأن الطابع غير الرسمي يعني أنه لا توجد مؤسسات أو اتفاقات رسمية تلزمهم بالسعودية كعضو مهيمن.

وحالة عمان هنا مفيدة كمثال. وقد عطلت السلطنة مرارا وتكرارا أي تحركات سعودية نحو تحقيق التكامل الأمني ​​أو السياسي أو الاقتصادي في مجلس التعاون الخليجي.

وفي عام 2013، رد كبير دبلوماسييها «يوسف بن علوي»، بصراحة، على دعوة السعودية إلى اتحاد دول مجلس التعاون الخليجي. وقال: «إذا حدث ذلك، فإننا لن نكون جزءا منه… سوف نسحب ببساطة».

ومنذ ذلك الحين، اعتمدت عمان أيضا سياسات مستقلة بشأن الأزمات في اليمن وسوريا، وهي المواقف التي تتحدى الموقف السعودي.

ومع ذلك، في ديسمبر/كانون الثاني 2016، قامت عمان، وكانت هي العضو الوحيد في مجلس التعاون الخليجي الذي يرفض الانضمام إلى تحالف الحرب في اليمن أو التحالف العسكري لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط عند إطلاقهما، بالانضمام أخيرا إلى الأخير.

وأوضح بعض المراقبين أن هذا التحرك كان بسبب معاناة السلطنة من الضغوط المالية.

لكن يشير ذلك إلى حسابات عمان حول أن الانضمام إلى التحالف العسكري أكثر أمانا؛ لأن عدم رسميته يمنع الرياض من فرض تفضيلات أمنية على زملائها الأعضاء. وهذا أمر مهم بالنسبة لسلطنة عمان.

ولأعوام، أحبطت سلطنة عمان وقطر صانعي السياسات السعوديين، من خلال التحوط في شراكتهم الرسمية مع الرياض داخل مجلس التعاون الخليجي، بعلاقات واسعة مع طهران.

ويجعل الطابع غير الرسمي للتحالف العسكري، من المرجح، أن يتمتع أعضاء التحالف بحصانة أمام المملكة أكثر مما يفعلون في مجلس التعاون الخليجي.

وفي الوقت نفسه، يوفر النظام غير الرسمي للسعودية بعض المزايا في سعيها إلى تعزيز السيطرة السياسية؛ حيث يوفر عدم وجود قواعد حرية كبيرة في العمل للسعودية.

وفي ذروة أزمة الخليج، تمكنت الرياض من طرد قطر من التحالف اليمني دون التفكير في الإجراءات أو اللوائح.

ولم يكن ممكنا اتخاذ أي تحرك مماثل داخل مجلس التعاون الخليجي. وبالمثل، في حلف رسمي مثل مجلس التعاون أو حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي، حتى أضعف الأعضاء لديهم حق النقض في القضايا السياسية الرئيسية.

وفي مثل هذا التحالف غير الرسمي مثل التحالف العسكري، لا يوجد مثل هذا النقض. ومن الناحية النظرية، على الأقل، يمكن ذلك السعودية من استخدام التحالف العسكري لتعزيز الاتصالات وتعزيز أهدافها وجدول أعمالها. لكن كان هناك بعض الأعضاء حذرين من الوقوع في الشرك.

وعلى سبيل المثال، وافقت ماليزيا على التعاون مع المملكة داخل الحركة لمكافحة التطرف، لكنها أبدت عدم رغبتها تماما في الدخول في أي نزاعات عسكرية سعودية في العالم العربي أو الإسلامي الأوسع.

وكانت باكستان أكثر حذرا. وفي الماضي، نشرت قواتها على الأراضي السعودية لتأمين حدود المملكة مع العراق واليمن والمساعدة في مكافحة القاعدة. لكن باكستان لا تريد أن تكون جزءا من تحالف عسكري ضد إيران بقيادة سعودية. وهي تشترك في حدود مع إيران، ولديها ما بين 15 مليون و25 مليون من المواطنين الشيعة.

الرأس الذي يرتدي التاج
ويعد دور الفاعل المهيمن في تحالف أمني غير رسمي هو تقديم المساعدة القيادية والأمنية للأطراف الصغيرة. ولتحقيق دورها، تحتاج المملكة إلى موارد مالية ومجموعة ملتزمة من القادة في الداخل، الذين يرغبون في بناء الهيكل الأمني ​​للحلف وتوفير مزايا إضافية، بما في ذلك المساعدات والأجهزة العسكرية، لأولئك الذين يتطوعون للانضمام.

وفي حالة مجلس التعاون الخليجي، كان عدد قليل من الأعضاء يتمتعون بالقدرة أو الطموح للعمل «خارج المنطقة»، ولم تتمكن السعودية من تهيئة جدول أعمال المجموعة بما يكفي لتلبية متطلباتها الأمنية.

ومن الناحية النظرية، يمكن للأطر غير الرسمية متعددة الأطراف، مثل التحالف العسكري لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط والتحالف في اليمن، التغلب على أوجه القصور هذه.

ولا تكتب المهام في وثائق قانونية، لكنها تكون واضحة تماما. وتشمل وجود أعضاء يتمتعون بقدرات القوة اللازمة لبدء العمل العسكري والحفاظ عليه عبر العالمين العربي والإسلامي.

وتعد السعودية، من جانبها، رابع أكبر مستثمر في العالم في مجال الدفاع، وثاني أكبر مستورد للأسلحة.

ويوجد 4 من اللاعبين العسكريين الرئيسيين الآخرين في العالم العربي، وهم مصر والأردن والمغرب والإمارات، أعضاء أيضا في التحالف.

كما أن تركيا، ثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو بعد الولايات المتحدة، وباكستان التي تمتلك أكبر جيش في العالم الإسلامي، والبلد المسلمة الوحيدة التي تمتلك قنبلة نووية، موجودان أيضا.

وعلى الورق، على الأقل، توفر هذه القدرات المثيرة للإعجاب للمملكة الفرصة لتحقيق عمق استراتيجي.

وجميع الدول في هذه التحالفات على استعداد للتعاون مع المملكة في العديد من المجالات، لكن لا أحد على استعداد للاعتراف بالسيادة السعودية.

كما أن المال السعودي لا يكفي لإقناعهم بالعمل في المجال الأمني ​​بطريقة تهدد مصالحهم المباشرة.

وعلى سبيل المثال، كانت المعارضة في باكستان لمشاركة البلاد في التحالف العسكري في اليمن تهدف، بشكل كبير، للتخلص من الهيمنة السعودية واستعادة السيادة.

ومع ذلك، استخدمت السعودية ثروتها بمهارة للفوز على اللاعبين الرئيسيين.

وتعتبر باكستان من كبار المستفيدين من المساعدات والاستثمار السعوديين، كما أن الرياض هي أكبر مشتر للأسلحة الباكستانية. وأثر ذلك على قرار الحكومة بالانضمام إلى التحالف، وسمح لـ«رحيل شريف»، رئيس أركان الجيش السابق، بالعمل كرئيس عسكري للتحالف، على الرغم من المعارضة المحلية الصاخبة.

لكن البرلمان الباكستاني صوت العام الماضي بالإجماع على رفض الانضمام إلى الحرب في اليمن. ورغم الضغوط المكثفة من الرياض، فإن الحكومة في إسلام أباد وعدت فقط بالمشاركة إذا هاجم المتمردون اليمنيون الأراضي السعودية.

وبالمثل، تم تمويل حكومة الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» بمليارات الدولارات السعودية. إلا أن حكومته رفضت أيضا الانضمام إلى الحرب الجوية الأولية في اليمن، على الرغم من أنها قدمت الدعم البحري في خليج عدن.

وكانت مصر أكثر حماسا بكثير إزاء التحالف العسكري. وبعد فترة وجيزة من إطلاق التحالف، أعلنت السعودية عن خطة لاستثمار مليارات الدولارات في المشاريع المصرية.

كما وافقت ماليزيا على تقديم الدعم اللوجستي للتحالف، وفتح مركز مشترك لمكافحة الإرهاب مع المملكة، في نفس الوقت الذي أعلنت فيه أرامكو عن صفقة بقيمة 7 مليارات دولار مع شركة النفط الماليزية «بتروناس»؛ الأمر الذي سيجعل من شركة النفط السعودية أكبر مستثمر في البلاد.

لكن حتى ذلك الحين، رفضت ماليزيا الوقوف مع الرياض في حصار وعزل قطر الصيف الماضي. كما رفض كل من المغرب والسودان، أعضاء آخرين في التحالف، تلقوا استثمارات مالية ودعم مالي كبير، دعم المملكة في أزمتها مع قطر.

وذهبت تركيا إلى أبعد من ذلك؛ حيث دعمت قطر علنا، ​​وأرسلت قوات إلى الدوحة لمواجهة أي تهديد عسكري سعودي للإمارة الصغيرة.

ويشارك الرياض حليفتاها، الإمارات ومصر، في عداء قطر، فضلا عن عدم الثقة في إيران، والنفور العميق من جماعة الإخوان المسلمين.

لكن الأزمة الخليجية الحالية ساعدت على إلقاء الضوء على الخلافات الاستراتيجية والسياسية وحتى الأيديولوجية بين السعودية وكافة شركائها الرئيسيين تقريبا.

ويحاول البعض موازنة التعامل مع السعودية من خلال أدوات غير عسكرية، وخاصة الدبلوماسية، لإبطاء أو تقويض استراتيجياتها الخلافية.

وباكستان، على سبيل المثال، تستخدم التحالف، التي يرأسه أعلى جندي سابق لديها، كإطار لإشراك إيران بدلا من عزلها في العالم الإسلامي السني.

وقام رئيس الأركان الحالي، «قمر جاويد باجوه»، بتحسين التعاون الاستراتيجي الثنائي مع الجيش الإيراني، ووعد وزير الخارجية «خواجا آصف» بأن التحالف لن «يتحرك ضد إيران».

ولا يستطيع الشركاء السعوديون الأصغر حجما أن يوازنوا التعامل مع المملكة، لكنهم رفضوا جماعيا الاشتراك في الحملة ضد قطر.

وبالنسبة لهم، تشكك أزمة الخليج في الحكم الاستراتيجي السعودي، ويبدو أنها تشير، إلى حد ما، إلى أن الرياض مستعدة لزعزعة استقرار المنطقة على نطاق أوسع لتحقيق أهدافها الخاصة.

وللحصول على ولاء الدول الصغيرة وإثبات حسن النية، يجب على المملكة الآن أن توفر لهم خيارات أمنية غير متاحة في أماكن أخرى.

لكن حتى لو تمكنت من إنجاز هذه المهمة الصعبة، فإنه سيتعين عليها التعامل مع القيود التشغيلية للعديدين داخل هذه المجموعة.

ويثير هذا التساؤل عما إذا كان اجتذاب ومشاركة الشركاء الأضعف في تحالف يستحق الجهد المبذول بالنسبة للممثل السعودي المهيمن.

لكن كما أظهرت التجربة الأمريكية في الكويت، في أوائل التسعينات، وفي أفغانستان والعراق في الآونة الأخيرة، فإن بناء تحالفات كبيرة قد يكون له وظيفة سياسية مهمة، وقد يكون له أيضا تأثير إيجابي على الرأي العام، حتى وإن لم تتوفر قدرات الحرب.

لا ناتو جديد
وعلى مر السنين، حققت السعودية نجاحا كبيرا في ترسيخ مكانها في قلب الإسلام، ووضعها كمنتج رئيسي للنفط في العالم، واستغلال ثروتها لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء العالم. وقد حققت نجاحا أقل في بناء قدرة أمنية جماعية في جوارها المباشر.

وهي تعمل الآن على تطوير واستدامة شبكة من التحالفات غير الرسمية التي قد تستخدم فيها القوة لتعزيز مصالحها الأمنية عبر العالم العربي والإسلامي.

لكن تعقيد هذا التحدي يجعل من الحديث عن «ناتو» عربي أو إسلامي بقيادة المملكة أمرا سابقا لأوانه للغاية.

وتبتعد هذه التحالفات بأشواط طويلة عن القيام بدور مماثل لدور حلف الناتو. ومن المرجح بنفس القدر أن تضيف إلى الانقسامات الطائفية القائمة، وأن تزيد من زعزعة الاستقرار في منطقة هشة بالفعل.

بل قد تقوض مصداقية السعودية كقائد عسكري وأمني. وبعد كل شيء، تعد الأزمة الحالية في اليمن نتيجة مباشرة لاحتضان السعودية لهذا النوع من الخيارات في أوائل 2015.

وإلى أن يحدث ذلك، وطالما تشعر المملكة بالتهديد من إيران ووكلائها، ستواصل الرياض البحث عن سبل لاستعادة التوازن الأمني.

وبغض النظر عن وجود بديل يوفر للرياض نفس الفرص للمطالبة بقيادة العالم العربي والإسلامي، ستبقى التحالفات غير الرسمية عنصرا مركزيا، وإن لم يكن بالضرورة فعالا، في التفكير الأمني ​​السعودي.

 

الخليج الجديد

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى