العلمانية السعودية .. والإستبداد بالنكهة الليبرالية

 

مهند بتار

لو أنهم يستعيرون نظام عبدالفتاح السيسي لأسبوع واحدٍ فقط ، فسيكونون في غنىً عن عناء ماراثون طويل يتوقفون خلاله عند محطات (تنويرية علمانية) متنوعة قبل أن يصلوا إلى الجنة الليبرالية السعودية الموعودة ، لكنهم بدلا من ذلك إختاروا تنقيط الشعب بترياق الليبرالية (حَبّـة ، حَبّـة) ، فحبّة أولى عيد وطني سعودي راقص و (مختلط الجنسين) في الهواء الطلق نكاية بالنظام الأساسي للحكم السعودي الذي تحصر مادته الثانية من بابه الأول أعياد المملكة (بالفطر والأضحى) لا غير ، وحبّة ثانية تحصل المرأة السعودية على حقها الطبيعي في ممارسة المألوف الإنساني بقيادة السيارة ، وحبّة ثالثة يسهر السعوديون (رسمياً) وبإرادة ملكية على حفلة غنائية تلفازية لأم كلثوم بعد حجبها عنهم لثلاثين عاماً على التوالي ، والحال هذا : كم سيحتاج السعوديون من وقتٍ حتى يذهبوا إلى صناديق الإقتراع لإنتخاب حكومة ديمقراطية في ظل ملكية دستورية ليبرالية ؟ .

بعد (أو قبل) الغول والعنقاء والخلّ الوفي تأتي الملكية الدستورية السعودية في سُـلّم المستحيلات الأسطورية (الأربع) ، هذا على الأقل في الأفق ما بعد المنظور وبدلالة الثابت السعودي في المتحول الكوكبي ، وعليه فإن كل ما نسمعه الآن من ضجيج طبول العلمانية الراقصة وما نراه من مشاهد الليبرالية الكاريكاتورية الصاخبة قد لا يعدو أن يكون في أحسن أحواله (تمصيراً) للمملكة السعودية على الطريقة (السّيسيّة) بالتدريج الممل ، والقول (تمصيراً) للسعودية يأتي لإبعادها عن شبهة التشبّـه بنظام الإمارات العربية المتحدة والعياذ بالله ، ففي ذلك التشبّه قد تقع المملكة العربية السعودية الموحدة في محظور تقسيمها إلى مشيخات عديدة كما هو حال الإمارات ، هذا عوضاً عن التشوّه الخلقي (والأخلاقي) لنظام عيال زايد الذي لا يُعرَفُ له رأس من أرجُلٍ قياساً إلى جميع فلسفات النظم السياسية في العالم ، فهو الشيء العشوائي ونقيضه العشوائي في آن معاً ، ببرهان (عجقة) المخبوص ضاحي خلفان .

 

لذا ، وبعيداً عن النموذج الإماراتي المسخ ، فمن باب أولى للنظام السعودي أن (يتمصّر) ، ولمليكه أن يتشبّه بالفرعون عبدالفتاح السيسي نظراً لأن المشتركات بينهما كثيرة ، خصوصاً على صعيد التفسير الديكتاتوري لمفهوم السلطة ، فإن كانت هذه السلطة تعني في مصر تطويباً للدولة بإسم الجنرال السيسي كوكيل عن العائلة العسكرتارية ، لا تنفك الدولة السعودية عن عائديتها المطلقة لولي الأمر كوكيل عن العائلة المالكة ، والشاهد في ذلك هو عنوانها الفريد : المملكة العربية السعودية (من آل سعود) حصراً وقصراً وجمعاً ومنعاً .

إذاً ، اللبيرالية المُراد بها للسعودية ، هي كما في جمهورية الفرعون عبدالفتاح السيسي ، عبارة عن قشرة سوليفان برّاقة لا يمكنها بأي حال أن تغطي على الحقيقة البشعة للديكتاتورية المقيتة المتمثلة بنظام الحكم الشمولي ، عسكرتارياً كان أو ملوكياً ، وما دام الأمر كذلك ، فلا حاجة لدهاقنة النظام السعودي بالإستغراق الزمني في متاهة التحولات السلحفاتية للوصول إلى المبتغى الليبرالي السوليفاني ، إذ يمكنهم فوراً إستعارة النموذج المصري السيساوي سواءً من دستور يضاهي في روحه وتطبيقاته الدستور الفرنسي أو الأمريكي لجهة الحقوق الفردية والحريات العامة (بالمشمش) ، أو من قضاء شامخ شموخ الراسيات (أيضاً بالمشمش) ، أو من إعلام مهني ، شريف ، عفيف ، ونزيه نزاهة (أحمد موسى) ، أو من ثقافة علمانية (داشرة) ، قـدّها ميّاس وتدخل (على واحده ونُص) إلى بيوت الناس … إلى آخر المستلزمات الكمالية المطلوبة لتخليق نظام علماني الوجه ، ليبرالي اللسان ، إستبدادي العقل .

وبهذه الخلطة المركّبة الثلاثية الأبعاد ستلحق السعودية بالركب الحضاري ، بل وتتنافس على المراكز المتقدمة في السباق الليبرالي العالمي ، وأبعد من ذلك قد تفوز به قبل موعد إنجاز رؤية (السعودية 2030) لصاحبها (الملك القادم) محمد بن سلمان رغم ما يعتريها من نواقص هامشية ، طفيفة وخفيفة ، ولا ضرورة لها ، كالديمقراطية وحرية التعبير وحق التظاهر والإختلاف السياسي وتشكيل الأحزاب والإنتخابات وسوى ذلك من (إكسسوارات) التداول السلمي للسلطة الفائضة عن الحاجة .

 

وطن

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى