مقالات

زعزعة استقرار الأنظمة العربية.. استراتيجية الصراع المقبل

 

أصبح الشرق الأوسط أشد مناطق الصراعات حدة وأكثرها تطورا، في ظل معارك الموصل والرقة، وطرد تنظيم داعش من معاقله في سوريا والعراق.
الخلافة التي أعلن عنها تنظيم داعش، لا يمكنها الاستسلام غير المشروط، والمعنى أن معارك الموصل والرقة لم تكن قط حاسمة حتى لو أنها أسقطت حصون داعش، فالتنظيم لا يزال موجود في ليبيا وشبه جزيرة سيناء في مصر، وهناك الكثير من المناطق التي يمكن أن يخترقها.
وحتى الآن، حولت داعش استراتيجياتها، ويمكن أن تكون الخطوة المقبلة زعزعة استقرار الأنظمة العربية من الداخل، وهي استراتيجية لا يمكن أن تواجهها التحالفات الدولية الموجودة في الرقة.
يبدو ذلك صحيحا بشكل كبير بالنظر إلى عدم اتساق الائتلافات وهشاشتها، ليستند الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على استراتيجية في الشرق الأوسط تعتمد على المخاوف السعودية ليس فقط من داعش، إنما أيضا من إيران.
القوى الخليجية في المنطقة التي يجندها ترامب، أغلقت جميع الصفوف ضد داعش وإيران، لكن داخليا، أنفسهم أعداء أشداء لبعضهم بعضا.
المناطق المحررة من تنظيم داعش من غير المرجح أن تعود إلى سيادتها السابقة، كما أن الوجود الإيراني في سوريا وخاصة على طول الحدود مع الأردن يثير القلق، وبالتالي لن تقف إسرائيل وهي العضو الضمني في التحالف الخليجي الذي ترعاه الولايات المتحدة، مكتوفة الأيدي، حيث أوضحت الدولة اليهودية سابقا أن الوجود الإيراني على طول حدود الجولان سيزيد من خطر نشوب الحرب.
من المتوقع أن تشن الولايات المتحدة ضربات لمنع تحقيق التواصل الجغرافي بين منطقة الخليج والبحر المتوسط، بما في ذلك ضربات على المنطقة الحدودية المشتركة بين العراق والأردن وسوريا.
تظهر تركيا لتحاول إعادة رسم حدودها التي تتناسب مع مصالحها الخاصة، حيث إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان غير راض عن اتفاقية سياكس بيكو البالغ عمرها مائة عام، والتي وضعها البريطانيون والفرنسيون بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية.
يريد الأكراد حلفاء الولايات المتحدة في الحرب على داعش، إدخال تغييرات على خريطة الشرق الأوسط، لكن ليس بنفس الطريقة التي تريدها تركيا، فهم يريدون دولتهم الخاصة، ويتوقعون قيامها لمساهمتهم في هزيمة داعش، حيث أعلن مسعود بارزاني، رئيس حكومة منطقة الحكم الذاتي في كردستان العراق، عن استفتاء استقلال للأكراد العراقيين وسيعقد في سبتمبر المقبل.
بالنسبة لتركيا، منع قيام دولة كردية، يعد من أولوياتها أكثر من هزيمة داعش أو إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، كما أن أردوغان يخشى من حصول الأكراد العراقيين على استقلالهم، لأنه سيلهم أكراد تركيا إحياء نضالهم مرة أخرى من أجل الاستقلال.
الاحترام الذي اكتسبه أكراد سوريا في ساحة المعركة، تخشى تركيا من أن يضفي شرعية دولية للمجموعة، وبالتالي ستحاول تركيا قمعها.
ونظرا لهذه المخاوف، من المرجح أن تبقى القوات التركية المنتشرة في شمال سوريا هناك حتى بعد سقوط الرقة، لتكون بمثابة حاجز بين الأكراد السوريين والأتراك، لكن في حين أن مخاوف تركيا من المقاومة الكردية لا أساس لها من الصحة، فإن فرص الدولة الكردية الفعلية لا تزال ضئيلة، لأن مثل هذه الدولة سوف تكون قائمة بين أربعة بلدان وهي إيران والعراق وتركيا وسوريا، وهم دول معارضة لقيام الدولة بشدة.
روسيا أيضا جهة فاعلة رئيسية أخرى في الشرق الأوسط، رغم أن الكرملين لا يهتم بالتدخل في المواجهة الخليجية الإيرانية أو التركية الكردية.
في هذا السياق المعقد، يتضح السبب في أن السعودية مع البحرين ومصر والإمارات، قطعت مؤخرا العلاقات الدبلوماسية والعلاقات التجارية مع قطر، وتتهمها بزعزعة استقرار المنطقة من خلال دعم مسلحي تنظيم القاعدة وتنظيم داعش.
قطر ليست المشكلة الحقيقية للسعودية أو حتى إيران، حيث إن الرياض تستخدمهما لتحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية التي لم يتم حلها، وهو تكتيك أوتوقراطي مباشر.
ولتحويل المملكة الإقطاعية إلى دولة قومية حديثة، تحتاج السعودية إلى معالجة نقاط ضعفها الداخلية، فهي لا تحتاج إلى مزيد من التحالفات القتالية والصفقات الهائلة للأسلحة مثل التي وقعها قادتها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال رحلته الأخيرة إلى الرياض.
مصر، أيضا، تحتاج إلى التركيز على تخفيف التوتر الاجتماعي والسياسي الشديد، وعندئذ فقط، يمكنها أن تؤكد السيطرة الكاملة على شبه جزيرة سيناء، التي يعمل فيها الجماعات الإرهابية، بما فيها تنظيم داعش.
الحلفاء الخليجيين يحبون ترامب، ويرجع ذلك جزئيا إلى كونه غير مهتم بالإصلاحات الديمقراطية مثل سلفه باراك أوباما، لكن إذا استمروا في مسارهم الحالي، قد ينتهي بهم المطاف إلى مواجهة الانفجارات الاجتماعية والسياسية الداخلية، وتعميق الصراعات الخارجية.

 

البديل

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى