تحليلات

غريزة السيطرة تشعل الأحقاد السعودية القطرية!

 

اذا كان هناك من نتيجة ايجابية لهذه المعركة القذرة التي تخوضها انظمة الخليج ضد بعضها البعض، انها عرت تلك الانظمة، واسقطت عنها غلالة الاخلاق والدين التي غطت بها سوءاتها، وكشفت بواطنها على الملأ.. فجور في الخصومة، واقذاع في اللفظ، واسفاف في التعبير، وانتهاك لكل القيم والمعايير الدينية والاخلاقية والاجتماعية!!

ولكي لا نكون على شاكلتهم وبمستوى القيعان التي بلغوها في المواجهة المفتوحة، دون قيود ولا محاذير، وقفنا بحذر امام كلامهم الذي ابدعوا فيه قاموسا كاملا من فنون السب والشتم والبذاءة، واسلحتهم التي نهشوا بها جلود بعضهم، ومعاولهم التي نبشوا بها القبور وتناولوا بها الاعراض.. ليضيفوا الى تاريخنا القبلي الجاهلي حربا جديدة تصغر امامها داحس والغبراء.
من جوار الحرمين الشريفين، ومن بطاح جزيرة العرب، خرجت افواج من الديدان، حولت الارض المقدسة الى برك من الدمامل تفيض قيحا ولؤما وحقدا.. واندفعت جيوش مرتزقة الكلام والمواقف، لتدافع عن الباطل بالباطل، في معركة ظنوا انهم ابطالها، وغاب عنهم انهم لم يغادروا مهد الدمى والادوات، وانهم لا يزالون ينفذون كالعميان خطط من يضمرون لهم الشر، ويستنزفون كرامتهم وبقايا القيم والمبادئ التي ورثوها بعد ان استهلكوا ثروة ارضهم ومستقبل شعوبهم.
إبحث عن الدور الاميركي!

لقد انهت الولايات المتحدة دور قطر في حروب المنطقة المتنقلة، بسرعة وبهدوء، كما اطلقت لها العنان ذات يوم للعب ذلك الدور البشع لسنوات. واعادت واشنطن تسليط الضوء على المملكة السعودية العجوز، واعادت تعويمها وتنشيطها بعد ان ركنتها جانبا وحاصرتها، واحكمت حولها طوق الازمات.

ترامب يضرب قطر بسيف سلمان الأملح!
واليوم تحاول ادارة الرئيس الاميركي ترامب العبث بأمن قطر وتخويفها، ارضاء لنزوة الامير السعودي الطامح الى الملك، الذي عبر عن كرم غير مسبوق، في تمويل الحليف الاميركي بحصة وازنة من الثروة الوطنية، دون حسيب او رقيب.
وقبل الدهشة والاستغراب او الاعتقاد بأن اميركا قدر مستحكم، يمكنه فعل الاعاجيب وخلق المعجزات، نشير الى ان هذا العبث الاميركي يتم بهذه السهولة واليسر، بسبب ليونة المادة المشكلة، وخضوعها المطلق لارادة اللاعب، وليس لقدرات خارقة يمتلكها راعي البقر الاميركي.

فالعملية تجري هنا في كيانات لم ترق بعد الى مستوى الدول، وهي لم تخرج بعد من افران الاستعمار، ولا تتمتع بأي شكل من اشكال المؤسسات الضامنة لوجود الدولة.. فالسعودية ومعها بقية دول الخليج نشأت بقرار خارجي، وتشكلت على هيئة كيانات تضم رعايا لا مواطنين، وانظمة وصاية شديدة التبعية للمستعمر الاجنبي، وتقوم بدور وظيفي يتعلق بتحويل الثروة الوطنية الى الخارج، وتمارس دور ضابط الشرطة لتقييد حركة المجتمع ومنعه من ان يشب على الطوق، او يتلقح بفيروسات الحرية والسيادة والحياة الديمقراطية، واحيانا توكل اليها بعض المهمات السياسية لترجمة ما يريده المستعمر الاجنبي.

وهذه القناعة لا تعني التقليل من القدرات الاميركية، او درجة الهيمنة الاميركية على العالم، وامساكها بالكثير من جوانب القرار الدولي والاقليمي، الا ان ما يجري في الخليج يتعدى ذلك بأشواط، وخصوصا في اطار التغير المزاجي في المواقف، والحدة في التصعيد، الى درجة الخطورة على النفس والاخرين.. وكأننا امام ملعب اطفال، يعلو فيه الصراخ احيانا لأتفه الاسباب، وتحطم الالعاب والهدايا، وتمزق الملابس، وتنقلب الصداقة الى عداوة بسرعة قياسية.

هم اطفال بكل ما تعنيه الكلمة، دون قصد الاهانة، لان ما يقدمون عليه هو بكل المعايير، خال من المسؤولية، والتبصر بنتائج المواقف والسياسات، او حساب المصالح وموازنة الخسائر بالاهداف.. كل هذه المعايير غائبة بل متناقضة مع المصلحة الوطنية الحقيقية.

وهم اطفال بالفعل، لانه بالامكان توقع ان تنتهي الازمة كما بدأت، ويعود الملوك والامراء الى لعبة التكاذب، وتقبيل الانوف والجباه والاكتاف، امام الكاميرات، والتآمر والدس في الخفاء.. والثابت الوحيد في سيرتهم والعامل المشترك فيما بينهم هو تبعيتهم للولايات المتحدة، وخشيتهم من شعوبهم، وعجزهم عن الحياة كالبشر الاسوياء.

لذلك فإذا سألت لماذا اختلفوا ستجد عشرات الاجابات، وكلها صحيحة ومقبولة.. الا انها كلها ايضا لا تفسر ما حدث، وتبقى ناقصة وقاصرة عن الاحاطة بالازمة واقناع العقل بها!
واذا فكرت كيف يمكن انهاء الازمة والتوسط بين الافرقاء؟ ستجد احتمالات عدة، وكلها ممكنة ومحتملة، الا انها لا علاقة لها بالحلول المنطقية، بل هي مجرد مخارج لفئران دخلت بارادتها متاهة مغلقة، اذا كان من الممكن استخدام لفظ ارادة مجازا في توصيف هذه الحالة.

من الشقيق القطري، الى الخائن الأعظم!
غريزة السيطرة السعودية
لقد قدم النظام السعودي نفسه لراعيه الاميركي، على انه يملك مفتاح الخليج بالمطلق، وانه يريد دعمه ليتولى زعامة الامة العربية والاسلامية، فأطنب ترامب بمدح الدكتاتورية، ورقص مع امرائها، وشرب قهوتهم، واتصل شخصيا بعدد من الرؤساء لضمان حضورهم محفل بيعة آل سعود.. لكن حسابات الحقل لم تتناسب مع حسابات البيدر، وما يخبئه آل سعود من احقاد وضغائن لا يستثني جيرانهم الخليجيين بطبيعة الحال.
اذ بعد اربع وعشرين ساعة من انفضاض مجلس القمة الاسلاموأميركية، فجر الاعلام السعودي معركة شرسة ضد امير قطر تميم بن حمد آل ثاني، الذي وصفه الاعلام السعودي ومعه التابع الاماراتي، بأقذع الصفات وشن حملة من الشائعات والاخبار التي لا يعرف مصدرها، والتي اربكت الاعلام القطري الذي كان يوما مدرسة في التضليل والفبركة والترويج للأخبار الكاذبة.
هل هي خلافات البيت الواحد؟
نعم هي خلافات البيت الواحد، والمدرسة الواحدة، والمرجعية السياسية الواحدة.. ولكن لانها مدرسة تقوم على الاحقاد والضغائن والتآمر، دون هدف واضح، فانها قابلة لان تخلق اعداءها في كل لحظة، حتى لو كانوا جيرانها واخوانها، او نفسها!! ألم يقولوا ان الجاهل عدو نفسه.. بلى هو هكذا والكل عنده اعداء.
ولا شك ان هذه الكيانات الخليجية، لا تجمعها وحدة الدم والثقافة والتاريخ والانتماء القبلي والديني، كما تدعي في ادبياتها المعلنة، والتي لا تساوي قيمة الورق الذي تكتب عليه، بل يوحدها الارتباط الاعمى والمطلق بالراعي الاميركي وبالاستتباع والولاء لحلفائه وادواته الدولية والاقليمية.. فالوحدة هي وحدة الشعوب المغيبة، والمسحوقة تحت وطأة الوعي المذهبي المشوه، والجشع الاستهلاكي والقلق على المصير، والخوف من الاخ والشقيق بعد سنوات من اداء الخصوصية والاستعلاء على العالمين.
هذه الانظمة المتخلفة لا تمارس السياسة والحكم بمعنى ثقافتها وفلسفتها واهدافها ومصالح شعوبها، بل تمارس السلطة باعتبارها وكيلا على الثروات والارض وما عليها، ضمن استراتيجية المستعمر، صاحب القرار في توجهها ومستوى انفاقها ووجهتها الثقافية والسياسية.
فلا عجب والحال هذه ان نجد التناقض الصارخ بين ادائها السياسي في الداخل والخارج، وبين مظاهر العمران والاسراف في الانفاق الاستهلاكي والتخلف في مجال البنى الاجتماعية، وصيغ الحكم والتطور العلمي ومؤسسات الانتاج.. ولا عجب ان يتجاور فيها الغنى الفاحش والفقر المدقع، وحمل الشهادات العالية والفكر الاقصائي التكفيري الداعشي.
نعم هي خلافات البيت الواحد الا انه بيت من زجاج، بل لعله بيت العنكبوت الواهي الضعيف الذي لا يأمن فيه سكانه من غدر صاحب البيت، كما من تقلبات الزمان.
الأزمة في عيون غربية
هذا الانفجار الاخوي تردد صداه في الصحف الغربية التي تناولت الخلاف القطري الخليجي، وربط بعضها بين التوتر الذي طفا على السطح، ووصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
تقارير إعلامية غربية تحدثت عن حملة منظمة لنزع الشرعية عن قطر على المستوى الإقليمي، مشيرة إلى عوامل عديدة أدّت إلى تحول المشهد الجيوسياسي في الخليج، من بينها ما هو مرتبط بالإدارة الأميركية الجديدة التي أعلنت عزمها انتهاج سياسات في المنطقة أقرب إلى أبو ظبي والرياض منها إلى الدوحة.
صحيفة واشنطن بوست الأميركية رأت أن انعدام الخبرة السياسية لدى الدائرة الضيقة لترامب، شكّل فرصة لكل من السعوديين والإماراتيين من أجل تغيير مواقف الإدارة الأميركية، بشأن القضايا الحساسة مثل إيران والتيارات الإسلامية.. وقالت الصحيفة الأميركية إنه وبخلاف إدارة أوباما التي تعاملت مع مجلس التعاون الخليجي ككيان واحد، ركّز ترامب على السعودية والإمارات بوصفهما الدعامة المزدوجة لسياسته في المنطقة، لافتة إلى علاقات وثيقة نشأت بين مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر ومحمد بن سلمان والسفير الإماراتي لدى واشنطن يوسف العتيبة الذي يملك تأثيراً كبيراً.
السؤال: اين اوروبا؟
هذا التحليل نجح في تأكيد الخلفية التآمرية للازمة، وان كل ما يعلن في سياقها من اتهامات لقطر بتمويل الارهاب، والتدخل في شؤون الجيران، رغم صحته هو من باب الذرائع، والتضليل للتمويه على الاهداف الحقيقية. ولعل هذا ما تؤكده المواقف القليلة التي خرجت من القارة العجوز للتدخل في الاشتباك الذي يهدد بحرب واسعة ستكون لها تردداتها في الدول المحيطة.
اوروبا التي ما زالت تقف موقف المتفرج، لم تخف ميلها لتأييد الموقف القطري، رافضة البلطجة السعودية، والجموح الاميركي لتفجير الازمات بهدف توسيع سوق بيع الاسلحة وتهيئة الفرص لابتزاز الدول النفطية وفرض الجزية عليها.
هذا الموقف تردد بقوة في برلين، حيث حذر وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل من أن الأزمة بين قطر ودول عربية أخرى قد تقود إلى حرب، مشيرا إلى ما وصفها بأنها فظاظة شديدة في العلاقات بين دول متحالفة وجيران في الخليج. وكان اللافت في ما اشار اليه غابرييل من انه اجرى محادثات مع نظرائه من السعودية وقطر وتركيا، وكذلك اجرى اتصالين هاتفيين مع وزيري خارجية إيران والكويت.
وبدورها أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قبل ذلك عن قلقها بشأن الوضع في قطر، وأضافت أنه يتعين على كل دول الخليج وإيران وتركيا أيضا العمل معا لإيجاد حل لهذا النزاع الإقليمي. ولم يخف وزير الخارجية الالماني اعلان تضامن بلاده مع قطر موجها الاتهام صراحة الى الرئيس الاميركي دونالد ترامب بتحمل المسؤولية عن التوتر القائم بين دول لخليج وقطر.
وبينما ظلت الحكومة البريطانية شبه صامتة، مع تصريحات عرضية لرفع العتب، تطلب وقف التصعيد والوقوف خلف الموقف الاميركي، دخل ايمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي على خط الازمة الخليجية الجديدة، واعلن انه سيلتقي في باريس، أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، كلا على حدة، في نهاية يونيو.
لقد فتح الجهل الخليجي شهية دول عديدة للتدخل مع هذا الطرف او ذاك، وكلٌّ يدافع عن حصته في المال الخليجي، وهذا الذي جرى يتحمل مسؤوليته ال سعود بدرجة أساس، كونهم فتحوا نيراناً كثيرة على منطقة الشرق الأوسط، فأحرقوا أنفسهم والآخرين.

 

الحجاز

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى